الصفحة 472 من 761

حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: 51] ، فهن لم يراودنه لأنفسهن، إذ كان ذلك غير ممكن، وهو عند المرأة في بيتها وتحت حجرها، لكن قد يكنَّ أعنَّ المرأة على مطلوبها.

وإذا كان هذا في فعل الفاحشة؛ فغيرها من الذنوب أعظم، مثل الظلم العظيم للخلق، كقتل النفس المعصومة، ومثل الإشراك بالله، ومثل القول على الله بلا علم. قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] ، فهذه أجناس المحرمات التى لا تباح بحال، ولا في شريعة، وما سواها ـ وإن حرم في حال ـ فقد يباح في حال.

(وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ بعد كلام) [هكذا بالأصل] [ما بين المعقوفتين مستفاد من محقق التفسير الكبير لابن تيمية؛ الدكتور عبد الرحمن عميرة 5/ 83، وفي النسخة التي حققها الدكتور محمد الجليند جاء النص هكذا: (قال شيخ الإسلام رحمه الله: ثم إن يوسف. . .) انظر: 3/ 274. وقول ابن تيمية بعد ذلك بقليل: (الوجه السادس) ينبئ بوجود سقط من الأصل]

[يهم أحدهم] بالذنب فيذكر مقامه بين يدي اللّه فيدعه، فكان يوسف ممن خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى.

ثم إن يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان شابا عزبًا أسيرا في بلاد العدو، حيث لم يكن هناك أقارب أو أصدقاء، فيستحي منهم إذا فعل فاحشة، فإن كثيرًا من الناس يمنعه من مواقعة القبائح حياؤه ممن يعرفه، فإذا تغرب فعل ما يشتهيه، وكان ـ أيضًا ـ خاليا لا يخاف مخلوقا، فحكم النفس الأمارة ـ لو كانت نفسه كذلك ـ أن يكون هو المتعرض لها، بل يكون هو المتحيل عليها، كما جرت به عادة كثير ممن له غرض في نساء الأكابر إن لم يتمكن من الدعوة ابتداء. فأما إذا دعي ولو كانت الداعية خدامة؛ لكان أسرع مجيب، فكيف إذا كانت الداعية سيدته الحاكمة عليه، التي يخاف الضرر بمخالفتها؟!

ثم إن زوجها ـ الذي عادته أن يزجر المرأة ـ لم يعاقبها، بل أمر / يوسف بالإعراض، كما ينْعَرُ الديوث، ثم إنها استعانت بالنساء وحبسته، وهو يقول: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] .

فليتدبر اللبيب هذه الدواعي التي دعت يوسف إلى ما دعته، وأنه مع توفرها وقوتها، ليس له عن ذلك صارف إذا فعل ذلك، ولا من ينجيه من المخلوقين؛ ليتبين له أن الذي ابتلي به يوسف كان من أعظم الأمور، وأن تقواه وصبره عن المعصية ـ حتى لا يفعلها مع ظلم الظالمين له، حتى لا يجيبهم ـ كان من أعظم الحسنات وأكبر الطاعات، وإن نفس يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ كانت من أزكى الأنفس، فكيف أن يقول: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] واللّه يعلم أن نفسه بريئة ليست أمَّارة بالسوء، بل نفس زكية من أعظم النفوس زكاء، والهَمُّ الذي وقع كان زيادة في زكاء نفسه وتقواها، وبحصوله مع تركه للّه لتثبت له به حسنة من أعظم الحسنات التي تزكي نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت