الصفحة 481 من 761

الذين آمنوا بكتب الله ورسله؛ ولهذا قرر فيها الشرائع التي أكمل الله بها الدين؛ كالقبلة، والحج، والصيام، والاعتكاف، والجهاد، وأحكام المناكح ونحوها، وأحكام الأموال بالعدل كالبيع، والإحسان كالصدقة، والظلم كالربا، وغير ذلك مما هو من تمام الدين.

ولهذا كان الخطاب في السور المكية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} لعموم الدعوة إلى الأصول؛ إذ لا يدعي إلى الفرع من لا يقر بالأصل، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وعز بها أهل الإيمان، وكان بها أهل الكتاب، خُوطِبَ هؤلاء وهؤلاء؛ فهؤلاء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، وهؤلاء: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} ، أو {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} ولم ينزل بمكة شيء من هذا، ولكن في السور المدنية خطاب: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} ، كما في سورة النساء، وسورة الحج وهما مدنيتان، وكذا في البقرة.

وهذا يعَكِّر على قول الحَبْرِ ابن عباس؛ لأن الحكم المذكور يشمل جنس الناس، والدعوة بالاسم الخاص لا تنافي الدعوة بالاسم العام، / فالمؤمنون داخلون في الخطاب بـ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} ، وفي الخطاب بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، فالدعوة إلى الله تتضمن الأمر بكل ما أمر الله به، والنهي عن كل ما نهي الله عنه، وهذا هو الأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر.

والرسول صلى الله عليه وسلم قام بهذه الدعوة، فإنه أمر الخلق بكل ما أمر الله به، ونهاهم عن كل ما نهي الله عنه، أمر بكل معروف، ونهي عن كل منكر. قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 156، 157] .

ودعوته إلى الله هي بإذنه لم يشرع دينًا لم يأذن به الله، كما قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب: 45، 46] ، خلاف الذين ذمهم في قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشوري: 21] ، وقد قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] .

/ ومما يبين ما ذكرناه: أنه سبحانه يذكر أنه أمره بالدعوة إلى الله تارة، وتارة بالدعوة إلى سبيله، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] ، وذلك أنه قد علم أن الداعي الذي يدعو غيره إلى أمر لابد فيما يدعو إليه من أمرين:

أحدهما: المقصود المراد.

والثاني: الوسيلة والطريق الموصل إلى المقصود؛ فلهذا يذكر الدعوة تارة إلى الله وتارة إلى سبيله؛ فإنه ـ سبحانه ـ هو المعبود المراد المقصود بالدعوة.

والعبادة: اسم يجمع غاية الحب له، وغاية الذل له، فمن ذل لغيره مع بغضه لم يكن عابدًا، ومن أحبه من غير ذل له لم يكن عابدًا، والله ـ سبحانه ـ يستحق أن يحَب غاية المحبة، بل يكون هو المحبوب المطلق، الذي لا يحب شيء إلا له، وأن يعظم ويذل له غاية الذل، بل لا يذل لشيء إلا من أجله، ومن أشرك غيره في هذا وهذا لم يحصل له حقيقة الحب والتعظيم، فإن الشرك يوجب نقص المحبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت