الصفحة 486 من 761

[الفرقان: 20] ، فهذا مما يرتفع عنه الإثم في نفس الأمر، وكذلك / الجزاء على وجه العقوبة، ولكن قد يقال: قد يسقط الجزاء على وجه القصاص الذي يجب في العمد، ويثبت الضمان الذي يجب في الخطأ، كما تجب الدية في الخطأ، وكما يجب ضمان الأموال التي يتلفها الصبي والمجنون في ماله، وإن وجبت الدية على عاقلة القاتل خطأ، معاونة له فلابد من استيفاء حق المظلوم خطأ، فكذلك هذا الذي ظلم خطأ، لكن يقال: يفرق بين ما كان الحق فيه لله، وحق الآدمي تبع له، وما كان حقًا لآدمي محضًا أو غالبًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد من هذا الباب موافق لقول الجمهور الذين لا يوجبون على أهل البغي ضمان ما أتلفوه لأهل العدل بالتأويل، وإن كان ذلك خطأ منهم ليس كفرًا ولا فِسْقًا.

وإذا قدر عليهم أهل العدل لم يتبعوا مدبرهم، ولم يجهزوا على جريحهم، ولم يسبوا حريمهم، ولم يغنموا أموالهم، فلا يقاتلونهم على ما أتلفوه من النفوس والأموال إذا أتلفوا مثل ذلك، أو تملكوا عليهم.

فتبين أن القصاص ساقط في هذا الموضع؛ لأن هذا من باب الجهاد الذي يجب فيه الأجر على الله، وهذا مما يتعلق بحق العبد الآمر الناهي.

وأما قول السائل: هل يقتص منه لئلا يؤدي إلى طمع منه في/ جانب الحق؟ فيقال: متي كان فيما فعله إفساد لجانب الحق كان الحق في ذلك لله ورسوله، فيفعل فيه ما يفعل في نظيره، وإن لم يكن فيه أذي للآمر الناهي.

والمصلحة في ذلك تتنوع؛ فتارة تكون المصلحة الشرعية القتال، وتارة تكون المصلحة المهادنة، وتارة تكون المصلحة الإمساك والاستعداد بلا مهادنة، وهذا يشبه ذلك، لكن الإنسان تزين له نفسه أن عفوه عن ظالمه يجريه عليه، وليس كذلك، بل قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: (ثلاث إن كنت حالفًا عليهن: ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا، وما نقصت صدقة من مال، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) .

فالذي ينبغي في هذا الباب أن يعفو الإنسان عن حقه، ويستوفي حقوق الله بحسب الإمكان. قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} [الشوري: 39] ، قال إبراهيم النَّخْعِي [هو أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة النخعي اليماني ثم الكوفي، وهو ابن مليكة أخت الأسود بن يزيد، كان كبير الشأن، كثير المحاسن، توفي وله تسع وأربعون سنة، مات سنة 96هـ] : كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا. قال تعالى: {هُمْ يَنتَصِرُونَ} يمدحهم، بأن فيهم همة الانتصار للحق والحمية له؛ ليسوا بمنزلة الذين يعفون عجزًا وذلا بل هذا مما يذم به الرجل، والممدوح العفو مع القدرة، والقيام لما يجب من نصر الحق، لا مع إهمال حق الله وحق العباد. والله ـ تعالى ـ أعلم.

فَصْل

في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا} الآية [يوسف: 110] قراءتان في هذه الآية: بالتخفيف والتثقيل. وكانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقرأ بالتثقيل وتنكر التخفيف، كما في الصحيح عن الزهري قال: أخبرني عروة عن عائشة، قالت له ـ وهو يسألها عن قوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} مخففة قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذا النصر ـ حَتَّى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت