الصفحة 49 من 761

وأيضا، فتخصيص المسيح بكونه ذلك النور، هو قول النصارى الذين يخصونه بأنه الله أو ابن الله، وهؤلاء الاتحادية ضموا إلى قول النصارى قولهم بعموم الاتحاد، حيث جعلوا في غير المسيح من جنس ما تقوله النصارى في المسيح.

وأما قول ابن الفارض:

وشاهدْ إذا استجليت ذاتك من ترى ** بغير مراء في المرآة الصقيلة

أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر ** إلىك بها عند انعكاس الأشعة؟

فهذا تمثيل فاسد، وذلك أن الناظر في المرآة يرى مثال نفسه، فيرى نفسه بواسطة المرآة لا يرى نفسه بلا واسطة، فقولهم بوحدة الوجود باطل، وبتقدير صحته ليس هذا مطابقا له.

/وأيضا، فهؤلاء يقولون بعموم الوحدة والاتحاد والحلول في كل شىء، فتخصيصهم بعد هذا آدم أو نحو المسيح يناقض قولهم بالعموم، وإنما يخص المسيح ونحوه من يقول بالاتحاد الخاص، كالنصارى والغالية من الشيعة، وجهال النساك ونحوهم.

وأيضا، فلو قدر أن الإنسان يرى نفسه في المرآة، فالمرآة خارجة عن نفسه، فيرى نفسه أو مثال نفسه في غيره، والكون عندهم ليس فيه غير ولا سوى، فليس هناك مظهر مغاير للظاهر، ولا مرآة مغايرة للرائي.

وهم يقولون: إن الكون مظاهر الحق، فإن قالوا: المظاهر غير الظاهر لزم التعدد وبطلت الوحدة، وإن قالوا: المظاهر هي الظاهر لم يكن قد ظهر شىء في شىء، ولا تجلى شىء في شىء، ولا ظهر شىء لشىء، ولا تجلى شىء لشىء، وكان قوله:

وشاهد إذا استجليت نفسك من ترى

كلاما متناقضا؛ لأن هنا مخاطِبا ومخاطَبا ومرآة تستجلى فيها الذات، فهذه ثلاثة أعيان، فإن كان الوجود واحدًا بالعين بطل هذا الكلام، وكل كلمة يقولونها تنقض أصلهم.

فصل

(الأمر أمران)

وأما ما ذكره من قول ابن إسرائيل: الأمر أمران: أمر بواسطة وأمر بغير واسطة، إلى آخره ـ فمضمونه أن الأمر الذي بواسطة هو الأمر الشرعي الديني، والذي بلا واسطة هو الأمر القدري الكوني، وجعله أحد الأمرين بواسطة والآخر بغير واسطة كلام باطل، فإن الأمر الديني يكون بواسطة وبغير واسطة، فإن اللّه كلم موسى وأمره بلا واسطة، وكذلك كلم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأمره ليلة المعراج، وكذلك كلم آدم وأمره بلا واسطة وهي أوامر دينية شرعية.

وأما الأمر الكوني: فقول القائل: إنه بلا واسطة خطأ، بل الله ـ تعالى ـ خلق الأشياء بعضها ببعض، وأمر التكوين ليس هو خطابا يسمعه المكون المخلوق، فإن هذا ممتنع؛ ولهذا قيل: إن كان هذا خطابا له بعد وجوده لم يكن قد كون بكن؛ بل كان قد كون قبل الخطاب، وإن كان خطابا له قبل وجوده فخطاب المعدوم ممتنع. وقد قيل في جواب هذا: إنه خطاب لمعلوم لحضوره في العلم، وإن كان معدوما في العين.

وأما ما ذكره الفقير فهو سؤال وارد بلا ريب.

/وأما ما ذكره عن شيخه من أن آدم كان توحيده ظاهرًا وباطنًا فكان قوله: لا تقرب ظاهرًا، وكان أمره [بكل] باطنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت