وفي المسألة دلائل أخرى على ما ذكرناه، وأسئلة أوردها طائفة؛ كابن جرير، والقاضي أبي يعلى، والسهيلي، ولكن لا يتسع هذا الموضع لذكرها والجواب عنها، واللّه ـ عز وجل ـ أعلم.
والحمد للّه رب العالمين. وصلى اللّه على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
فصل
في أعداء الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين
الخلفاء الراشدون الأربعة ابتلوا بمعاداة بعض المنتسبين إلى الإسلام من أهل القبلة، ولعنهم وبغضهم وتكفيرهم. فأَبو بكر وعمر أبغضتهما الرافضة ولعنتهما دون غيرهم من الطوائف؛ ولهذا قيل للإمام أحمد: من الرافضي؟ قال: الذي يسب أبا بكر وعمر. وبهذا سميت الرافضة، فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر، لبغضهم لهما، فالمبغض لهما هو الرافضي، وقيل: إنما سموا رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر.
وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة، فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق، وأظهر الغلوَّ في عليّ بِدَعوَى الإمامة والنص عليه، وادعى العصمة له؛ ولهذا لما كان مبدؤه من النفاق قال بعض السلف: حب أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما نفاق، وحب بني هاشم إيمان، وبغضهم نفاق.
وقال عبد اللّه بن مسعود: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة، أي من شريعة النبي صلى الله عليه وسلم التي أمر بها؛ فإنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر) ؛ ولهذا كان معرفة فضلهما على من بعدهما واجبًا لا يجوز التوقف فيه، بخلاف عثمان وعلى، ففي جواز التوقف فيهما قولان.
وكذلك هل يسوغ الاجتهاد في تفضيل عليّ على عثمان؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يسوغ ذلك، فمن فضل عليًا على عثمان خرج من السنة إلى البدعة؛ لمخالفته لإجماع الصحابة؛ ولهذا قيل: من قدَّم عليًا على عثمان، فقد /أزرى بالمهاجرين والأنصار. يروي ذلك عن غير واحد؛ منهم أيوب السختياني وأحمد بن حنبل، والدارقطني.
والثانية: لا يُبَدَّع من قدم عليًا؛ لتقارب حال عثمان وعليّ؛ إذ السنة هي الشريعة وهي ما شرعه اللّه ورسوله من الدين، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب فلا يجوز اعتقاد ضد ذلك، لكن يجوز ترك المستحب من غير أن يجوز اعتقاد ترك استحبابه؛ ومعرفة استحبابه فرض على الكفاية، لئلا يضيع شىء من الدين. فلما قامت الأدلة الشرعية على وجوب اتباع أبي بكر وعمر وتقديمهما، لم يجز ترك ذلك.
وأما عثمان، فأبغضه أو سبه أو كفره أيضًا ـ مع الرافضة ـ طائفة من الشيعة الزيدية والخوارج.
وأما علي، فأبغضه وسبه ـ أو كفره ـ الخوارج، وكثير من بني أمية وشيعتهم الذين قاتلوه وسبوه. فالخوارج تكفر عثمان وعليًًًًا وسائر أهل الجماعة.
وأما شيعة علي، الذين شايعوه بعد التحكيم، وشيعة معاوية التي شايعته بعد التحكيم، فكان بينهما من التقابل، وتَلاعُن بعضهم، وتكافر بعضهم ما كان، ولم تكن الشيعة التي كانت مع على يظهر منها تَنَقُّص لأبي بكر وعمر، ولا فيها من يقدم