فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب من حشيش الشهوات، وبذر الإرادة والإخلاص، وعرضه لمهاب ريح الرحمة، وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع عند ظهور الغيم، كذلك انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة، وعند اجتماع الهم ونشاط القلوب، كيوم عرفة، ويوم الجمعة، وفى رمضان. والهمم والأنفاس أسباب لاستدرار رحمة الله تعالى بحكمته وتقديره.
وفي طريق الهجرتين للإمام ابن القيم رحمه الله بحث نفيس حول فلسفة الصبر:
فصل المثال الخامس: الصبر.
قال أبو العباس: (( وهو من منازل العوام أيضًا، لأن الصبر حبس النفس على مكروه، وعقل اللسان عن الشكوى، ومكابدة الغصص في تحمله، وانتظار الفرج عند عاقبته. وهذا في طريق الخاصة تجلد ومناوأَة وجرأَة ومنازعة، فإن حاصله يرجع إلى كتمان الشكوى في تحمل الأذى بالبلوى. وتحقيقه الخروج عن الشكوى بالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى.
وقيل: إنه على ثلاث مقامات مرتبة بعضها فوق بعض، فالأول: التصبر، وهو تحمل مشقة، وتجرع غصة، والثبات على ما يجرى من الحكم. وهذا هو التصبر لله وهو صبر العوام. والثانى: الصبر، وهو نوع سهولة تخفف عن المبتلى بعض الثقل، وتسهل عليه صعوبة المراد، وهو الصبر لله، وهو نوع سهولة، وهو صبر المريدين. والثالث: الاصطبار وهو التلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى، وهذا هو الصبر على الله، وهو صبر العارفين )) . والكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال الصبر نصف الدين، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. قال تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} * [سبأ:19] ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( والذى نفسى بيده، لا يقضى الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له: إن أصابته سراءٌ شكر فكان خيرًا له، إن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن ) ). فمنازل الإيمان كلها بين الصبر والشكر، والذى يوضح هذا:
الوجه الثانى: وهو أن العبد لا يخلو قط من أَن يكون في نعمة أَو بلية، فإن كان في نعمة ففرضها الشكر والصبر. أما الشكر فهو قيدها وثباتها والكفيل بمزيدها، وأما الصبر فعن مباشرة الأَسباب التى تسلبها، وعلى القيام بالأسباب التى تحفظها فهو أحوج إلى الصبر فيها من حاجة المبتلى. ومن هنا يعلم سر مسألة الغنى الشاكر والفقير الصابر، وأن كلا منهما محتاج إلى الشكر والصبر، وأنه قد يكون صبر الغنى أكمل من صبر الفقير. كما قد يكون شر الفقير أكمل، فأفضلهما أعظمهما شكرًا وصبرًا، فإن فضل أحدهما في ذلك فضل صاحبه.
فالشكر مستلزم للصبر لا يتم إلا به، والصبر مستلزم للشكر لا يتم إلا به. فمتى ذهب الشكر ذهب الصبر، ومتى ذهب الصبر ذهب الشكر، وإن كان في بلية ففرضها الصبر والشكر أيضًا: أما الصبر فظاهر، وأما الشكر فللقيام بحق الله عليه في تلك البلية، فإن لله على العبد [عبودية في البلاء كما له عليه عبودية في النعماء وعليه] أن يقوم بعبوديته في هذا وهذا. فعلم أنه لا انفكاك له عن الصبر، ما دام سائرًا إلى الله.