فيهما ـ أيضًا ـ نحوه من حديث المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال من أمتي أمة ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك) وهذا يحتجون به في رجحان أهل الشام بوجهين:
أحدهما: أنهم الذين ظهروا وانتصروا وصار الأمر إليهم بعد الاقتتال والفتنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يضرهم من خالفهم) وهذا يقتضى /أن الطائفة القائمة بالحق من هذه الأمة هى الظاهرة المنصورة، فلما انتصر هؤلاء كانوا أهل الحق.
والثاني: أن النصوص عينت أنهم بالشام، كقول معاذ، وكما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين) قال الإمام أحمد: وأهل الغرب هم أهل الشام. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقيما بالمدينة فما يغرب عنها فهو غربه، وما يشرق عنها فهو شرقه، وكان يسمى أهل نجد وما يشرق عنها أهل المشرق، كما قال ابن عمر: قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحرًا) .
وقد استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشر أن أصله من المشرق؛ كقوله: (الفتنة من هاهنا، الفتنة من هاهنا) ويشير إلى المشرق، وقوله صلى الله عليه وسلم: (رأس الكفر نحو المشرق) ونحو ذلك. فأخبر أن الطائفة المنصورة القائمة على الحق من أمته بالمغرب وهو الشام وما يغرب عنها، والفتنة ورأس الكفر بالمشرق، وكان أهل المدينة يسمون أهل الشام أهل المغرب، ويقولون عن الأوزاعي: إنه إمام أهل المغرب، ويقولون عن سفيان الثوري ونحوه: إنه مشرقي إمام أهل المشرق، وهذا لأن منتهى الشام عند الفرات هو على مُسَامَتَة [أي: على مقربة منه] مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم طول كل منهما، وبعد ذلك حَرَّان والرَّقَّة ونحوهما على مسامتة مكة؛ ولهذا كانت قبلتهم أعدل /القبلة، بمعنى: أنهم يستقبلون الركن الشامي ويستدبرون القطب الشامي من غير انحراف إلى ذات اليمين؛ كأهل العراق، ولا إلى ذات الشمال؛ كأهل الشام.
قالوا: فإذا دلت هذه النصوص على أن الطائفة القائمة بالحق من أمته التي لا يضرها خلاف المخالف، ولا خذلان الخاذل هي بالشام، كان هذا معارضًا لقوله: (تقتل عمارا الفئة الباغية) ، ولقوله: (تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) ، وهذا من حجة من يجعل الجميع سواء والجميع مصيبين، أو يمسك عن الترجيح وهذا أقرب. وقد احتج به من هؤلاء على أولئك، لكن هذا القول مرغوب عنه وهو من أقوال النواصب، فهو مقابل بأقوال الشيعة والروافض، هؤلاء أهل الأهواء وإنما نتكلم هنا مع أهل العلم والعدل.
ولا ريب أن هذه النصوص لابد من الجمع بينها والتأليف، فيقال: أما قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين) ونحو ذلك مما يدل على ظهور أهل الشام وانتصارهم، فهكذا وقع وهذا هو الأمر، فإنهم ما زالوا ظاهرين منتصرين.
وأما قوله ـ عليه السلام: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر اللّه) ومن هو ظاهر، فلا يقتضي ألا يكون فيهم من فيه بغي ومن غيره أولى بالحق منهم، بل فيهم هذا وهذا.
وأما قوله: (تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) فهذا دليل على أن عليًا /ومن معه كان أولى بالحق إذ ذاك من الطائفة الأخرى، وإذا كان الشخص أو الطائفة مرجوحًا في