الصفحة 96 من 761

الصديق في قتال مانعي الزكاة، فلا يجمعون بين ما فرق اللّه بينه من المرتدين والمارقين، وبين المسلمين المسيئين، ويفرقون بين ما جمع اللّه بينه من الملوك والأئمة المتقاتلين على الملك وإن كان بتأويل. واللّه ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم.

سُئِلَ شَيْخُ الإسْلام ـ قدس اللّهَ رُوحَهُ:

هل صح عند أحد من أهل العلم والحديث، أو من يقتدى به في دين الإسلام، أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه ـ قال: إذا أنا مت فأركبوني فوق ناقتي وسيبوني، فأينما بركت ادفنوني، فسارت ولم يعلم أحد قبره؟ فهل صح ذلك أم لا؟ وهل عرف أحد من أهل العلم أين دفن أم لا؟ وما كان سبب قتله؟ وفي أي وقت كان؟ ومن قتله؟

ومن قتل الحسين؟ وما كان سبب قتله؟ وهل صح أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم سُبُوا؟ وأنهم أركبوا على الإبل عراة، ولم يكن عليهم ما يسترهم، فخلق اللّه ـ تعالى ـ للإبل التي كانوا عليها سنامين استتروا بها. وأن الحسين لما قطع رأسه داروا به في جميع البلاد، وأنه حمل إلى دمشق، وحمل إلى مصر ودفن بها؟ وأن يزيد بن معاوية هو الذي فعل هذا بأهل البيت، فهل صح ذلك أم لا؟

وهل قائل هذه المقالات مبتدع بها في دين اللّه؟ وما الذي يجب عليه إذا /تحدث بهذا بين الناس؟ وهل إذا أنكر هذا عليه منكر هل يسمى آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر أم لا؟ أفتونا مأجورين، و بينوا لنا بيانًا شافيا.

فَأَجَاب:

الحمد للّه رب العالمين، أما ما ذكر من توصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه ـ إذا مات أركب فوق دابته وتسيب، ويدفن حيث تبرك، وأنه فعل ذلك به، فهذا كذب مختلق باتفاق أهل العلم، لم يوص علي بشىء من ذلك، ولا فعل به شيء من ذلك، ولم يذكر هذا أحد من المعروفين بالعلم والعدل، وإنما يقول ذلك من ينقل عن بعض الكذابين.

ولا يحل أن يفعل هذا بأحد من موتى المسلمين، ولا يحل لأحد أن يوصي بذلك، بل هذا مُثْلَة بالميت، ولا فائدة في هذا الفعل، فإنه إن كان المقصود تعمية قبره، فلابد إذا بركت الناقة من أن يحفر له قبر ويدفن فيه، وحينئذ يمكن أن يحفر له قبر ويدفن به بدون هذه المثلة القبيحة، وهو أن يترك ميتًا على ظهر دابة تسير في البرية.

وقد تنازع العلماء في موضع قبره. والمعروف عند أهل العلم أنه دفن بقصر الإمارة بالكوفة، وأنه أخفى قبره لئلًا ينبشه الخوارج ـ الذين كانوا يكفرونه ويستحلون قتله ـ فإن الذي قتله واحد من الخوارج، وهو عبد الرحمن /بن مِلْجَم المرادي، وكان قد تعاهد هو وآخران على قتل علي وقتل معاوية، وقتل عمرو بن العاص، فإنهم يكفرون هؤلاء كلهم، وكل من لا يوافقهم على أهوائهم.

وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بذمهم. خرج مسلم في صحيحه حديثهم من عشرة أوجه، وخرجه البخاري من عدة أوجه، وخرجه أصحاب السنن والمساند من أكثر من ذلك. قال صلى الله عليه وسلم فيهم: (يَحْقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمِيَّة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ـ وفي رواية ـ أينما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت