فهرس الكتاب
اعتدى عليه واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه بل يتناقض، وتناقض القول يدل على فساده، فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول.
ومن ظن أن الإيمان بالقدر، أن الله خالق أفعال العباد كما يظنه المباحية المشركية، الذين يقرون بالقدر دون الأمر، والقدرية المجوسية الذين يقرون بالأمر دون القدر، أو ظن أن التكليف مع ذلك غير معقول، ولكن الشارع أطيع فيه لمحض المشيئة الإلهية، وأن الله يفعل، وجعل ذلك حجة له في الأفعال لم يتضمن أسبابًا مناسبة للأمر والنهي، بل أنكر ما اشتملت عليه الشريعة من المصالح والمحاسن والمقاصد التي للعباد في المعاش والمعاد، وجعل ذلك الشرع مجرد إضافة من غير أن يكون من العلة والمعلول مناسبة وملائمة، وأنكر أن تكون الأفعال على وجوه لأجلها كانت حسنة مأمورًا بها، وكانت سيئة منهيًا عنها احتجاجًا على ذلك بالقدر، وأنه مع كون الرب هو الخالق يمتنع هذا كله /فهو مخطئ ضال يعلم فساد قوله بالضرورة، وبما اتفق عليه العقلاء مع دلالة الكتاب والسنة والإجماع على فساد قوله.
فإن عامة بني آدم يؤمنون بالقدر، ويقولون: إنه لابد من عقوبة المعتدين حتى المجانين والبهائم، يؤدبون لكف عدوانهم، وإن كانت أفعالهم مقدرة، وبعفو كمل الآدميين عن عدوانهم، وإن كانت أفعالهم مقدرة فالعبد عليه أن يصبر، وينبغي له أن يرضي بما قدر من المصائب، ويستغفر من الذنوب والمعائب ولا يحتج لها بالقدر، ويشكر ما قدر الله له من النعم والمواهب، فيجمع بين الشكر والصبر والاستغفار والإيمان بالقدر والشرع، والله أعلم.
ما تقول السادة أئمة المسلمين أئمة الدين ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ في قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] ، فإن كان المخاطب موجودًا، فتحصيل الحاصل محال، وإن كان معدومًا فكيف يتصور خطاب المعدوم؟ وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، فإن كانت اللام للصيرورة في عاقبة الأمر فما صار ذلك، وإن كانت اللام للغرض لزم ألا يتخلف أحد من المخلوقين عن عبادته، وليس كذلك، فكيف التخلص من هذا المضيق؟
وفيما ورد من الأخبار والآيات بالرضاء بقضاء الله تعالى، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (جف القلم بما هو كائن) ، وفي معنى قوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] ، فإن كان الدعاء أيضًا بما هو كائن، فما فائدة الأمر به ولابد من وقوعه؟.
فأجاب شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد بن تيمية ـ رحمه الله:
الحمد لله رب العالمين.
/أما المسألة الأولى فهي مبنية على أصلين:
أحدهما: الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به سبحانه فعلًا من المخاطب، بل هو الذي يكون المخاطب به ويخلقه بدون فعل من المخاطب أو قدرة أو إرادة أو وجود له، وبين خطاب التكليف الذي يطلب به من المأمور فعلًا أو تركًا يفعله بقدرة وإرادة ـ وإن كان ذلك جميعه بحول الله وقوته؛ إذ لا حول ولا قوة إلا بالله ـ وهذا الخطاب قد تنازع فيه الناس، هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط وجوده أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟ ولا نزاع بينهم أنه لا يتعلق به حكم الخطاب إلا بعد وجوده.
وكذلك تنازعوا في الأول، هل هو خطاب حقيقي؟ أم هو عبارة عن الاقتدار وسرعة التكوين بالقدرة؟ والأول هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة.
والأصل الثاني: أن المعدوم في حال عدمه، هل هو شىء أم لا؟ فإنه قد ذهب طوائف من متكلمة المعتزلة والشيعة إلى أنه شىء في الخارج، وذات وعين، وزعموا أن الماهيات غير مجعولة ولا