الصفحة 142 من 282

لكن اللّه إذا ابتلى العبد وقدر عليه أعانه، وإذا تعرض العبد بنفسه إلى البلاء وكله اللّه إلى نفسه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: (لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة، وكلت إليها. وإن أعطيتها عن غير مسألة، أعنت عليها) وكذلك /قال في الطاعون: (إذا وقع ببلد وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه) فمن فعل ما أمره اللّه به فعرضت له فتنة من غير اختياره، فإن اللّه يعينه عليها بخلاف من تعرض لها.

لكن باب التوبة مفتوح، فإن الرجل قد يسأل الإمارة فيوكل إليها، ثم يندم فيتوب من سؤاله فيتوب اللّه عليه ويعينه، إما على إقامة الواجب، وإما على الخلاص منها، وكذلك سائر الفتن. كماقال: {قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] ، وهذه الأمور تحتاج إلى بسط لا يتسع له هذا الموضع.

والمقصود أن اللّه سبحانه يريد أن يبين لنا، ويهدينا سنن الذين من قبلنا الذين قال فيهم: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] ، وهم الذين أمرنا أن نسأله الهداية لسبيلهم في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6، 7] فهو يحب لنا ويأمرنا أن نتبع صراط هؤلاء، وهو سبيل من أناب إليه، فذكر هنا ثلاثة أمور: البيان، والهداية، والتوبة.

وقيل: المراد بالسنن هنا سنن أهل الحق والباطل، أي: يريد أن يبين لنا سنن هؤلاء وهؤلاء، فيهدي عباده المؤمنين إلى الحق، / ويضل آخرين، فإن الهدى والضلال إنما يكون بعد البيان. كما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] ، وقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] .

فتكون {سُنَنَ} [النساء: 26] ، متعلقًا بيبين يعني سنن أهل الباطل لا بيهدي، وأهل الحق متعلق بقوله: ويهديكم. وقال الزجاج: السنن الطرق، فالمعنى يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء وتابعيهم. وهذا أولى، لأنه قد يقدم فعلين فلا يجعل الأول هوالعامل وحده، بل العامل إما الثاني وحده. وإما الاثنان، كقوله: {آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96] .

أو إذا أريد هذا التقدير: يبين لكم سنن الذين من قبلكم، ويهديكم سننًا. فدل علي أنه يهدينا سننهم. والمراد بذلك سنن أهل الحق، بخلاف قوله: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} فإنه قال بعدها: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] ، فإنه أراد تعريف عقوبة الظالمين بالعيان، وهنا فأنزل علينا من القرآن ما يهدينا به سنن الذين من قبلنا، وهم الذين أنعم اللّه عليهم. وذكر ثلاثة أمور: التبيين، والهدى، والتوبة.

لأن الإنسان أولا يحتاج إلى معرفة الخير والشر، وما أمر به وما نهى عنه، ثم يحتاج بعد ذلك / إلى أن يهدي، فيقصد الحق ويعمل به دون الباطل. وهو سنن الأنبياء والصالحين. ثم لابد له بعد ذلك من الذنوب، فيريد أن يتطهر منها بالتوبة فهو محتاج إلى العلم والعمل به. وإلى التوبة مع ذلك. فلابد له من التقصير، أو الغفلة في سلوك تلك السنن التي هداه اللّه إليها. فيتوب منها بما وقع من تفريط في كل سنة من تلك السنن. وهذه السنن: تدخل فيها الواجبات والمستحبات، فلابد للسالك فيها من تقصير وغفلة، فيستغفر اللّه، ويتوب إليه. فإن العبد لو اجتهد مهما اجتهد لا يستطيع أن يقوم للّه بالحق الذي أوجبه عليه، فما يسعه إلا الاستغفار والتوبة عقيب كل طاعة.

وقد يقال: الهداية، هنا البيان والتعريف، أي: يعرفكم سنن الذين من قبلكم، من أهل السعادة والشقاوة؛ لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه، كما قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] ، قال علي وابن مسعود: سبيل الخير والشر. وعن ابن عباس: سبيل الهدى والضلال. وقال مجاهد: سبيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت