فهرس الكتاب
المالكية ـ قبل ابن عبد البر، والباجي، وطبقتهما ـ في [كتاب الوصول إلى معرفة الأصول] : أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ، ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته مستو على العرش كيف شاء.
وقال ـ أيضًا: قال أهل السنة في قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] : إن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة، لا على المجاز. وقال ابن عبد البر في [التمهيد] ـ شرح الموطأ، وهو أشرف كتاب صنف في فنه ـ لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت لا يختلف أهل الحديث في صحته. وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم: إنه في كل مكان، وليس على العرش.
قال: والدليل على صحة ما قاله أهل الحق، قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] .
وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، وقال: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] ، وقال: {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] وذكر آيات.
إلى أن قال: وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا خالفهم فيه مسلم.
وهذا مثل ما ذكر محمد بن طاهر عن أبي جعفر الهمداني: أنه حضر مجلس بعض المتكلمين فقال: [كان الله ولا عرش] فقال: يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش. أخبرنا عن هذه الضرورات التي نجدها في قلوبنا: ما قال عارف قط يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو، لا تلتفت يُمْنة ولا يسْرَةً. فضرب بيده على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني. أراد الشيخ أن إقرار الفطر بأن معبودها، ومدعوها فوق، هو أمر ضروري، عقلي، فطري، لم تستفده من مجرد السمع، بخلاف الاستواء على العرش ـ بعد خلق السموات والأرض في ستة أيام ـ فإن هذا علم من جهة السمع.
ولهذا لا تعرف أيام الأسبوع إلا من جهة المقرين بالنبوات، فأما من لا يعرف ذلك كالترك المشركين، فليس في لغتهم أسماء أيام الأسبوع. وهذا من حكمة اجتماع أهل كل ملة في يوم واحد في الأسبوع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى) . وبسط ابن عبد البر الكلام في ذلك.
إلى أن قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] ، فلا حجة فيه لهم؛ لأن علماء الصحابة، والتابعين قالوا في تأويل هذه الأية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله.
قال أبو عمر: أهل السنة مجمعون على الأقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع ـ الجهمية والمعتزلة والخوارج ـ فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرَّ بها مشبه، وهم ـ عند من أقرَّ بها ـ نافون للمعبود، والحق ما نطق به كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهم أئمة الجماعة.
وقال ـ أيضًا: الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه، والأثر، في هذه المسألة وما أشبهها: الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتصديق بذلك، وترك التحديد، والكيفية في شيء منه.