فهرس الكتاب
عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فقال: من أتى هذه الأربعة أو مثلهن أو فوقهن فهو مسلم، ولا أسميه مؤمنا، ومن أتى دون ذلك، يريد دون الكبائر، أسميه مؤمنًا ناقص الإيمان.
قلت: أحمد بن حنبل كان يقول تارة بهذا الفرق، وتارة كان يذكر الاختلاف ويتوقف، وهو المتأخر عنه، قال أبو بكر الأثرم في [السنة] : سمعت أبا عبد اللّه يسأل عن الاستثناء في الإيمان: ما تقول فيه؟ فقال: أما أنا فلا أعيبه، أي من الناس من يعيبه. قال أبو عبد الله: إذا كان يقول: إن الإيمان قول /وعمل يزيد وينقص، فاستثنى مخافة واحتياطًا، ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثنى للعمل. قال أبو عبد اللّه: قال اللّه تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] أي: أن هذا استثناء بغير شك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أهل القبور: (وإنَّا إن شاء اللّه بكم لاحقون) أي: لم يكن يشك في هذا، وقد استثناه وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وعليها نُبْعَثُ إن شاء الله) : يعني: من القبر، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه) قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان.
قلت لأبي عبد اللّه: وكأنك لا ترى بأسًا ألا يستثنى. فقال: إذا كان ممن يقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو أسهل عندي، ثم قال أبو عبد الله: إن قومًا تضعف قلوبهم عن الاستثناء، كالتعجب منهم، وسمعت أبا عبد اللّّه وقيل له: شَبَابَة أي شيء تقول فيه؟ فقال: شبابة كان يدعى الإرجاء، قال: وحكى عن شبابة قول أخبث من هذه الأقاويل، ما سمعت عن أحد بمثله، قال أبو عبد اللّه: قال شبابة: إذا قال فقد عمل بلسانه كما يقولون، فإذا قال فقد عمل بجارحته، أي: بلسانه حين تكلم به، ثم قال أبو عبد اللّه: هذا قول خبيث، ما سمعت أحدًا يقول به ولا بلغني، قيل لأبي عبد اللّه: كنت كتبت عن شبابة شيئًا؟ فقال: نعم، كنت كتبت عنه قديمًا يسيرًا قبل أن نعلم أنه يقول بهذا، قلت لأبي عبد اللّه: كتبت عنه بعد؟ قال: لا ولا حرف. قيل لأبي عبد اللّه: يزعمون أن سفيان كان يذهب إلى الاستثناء في الإيمان. فقال: هذا مذهب سفيان، المعروف به الاستثناء، قلت لأبي عبد اللّه: من يرويه عن /سفيان؟ فقال: كل من حكى عن سفيان في هذا حكاية كان يستثنى، قال: وقال وَكِيع عن سفيان: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث؟ ولا ندري ما هم عند اللّه. قلت لأبي عبد اللّّه: فأنت بأي شيء تقول؟ فقال: نحن نذهب إلى الاستثناء.
قلت لأبي عبد اللّه: فأما إذا قال: أنا مسلم فلا يستثنى؟ فقال: نعم، لا يستثنى إذا قال: أنا مسلم، قلت لأبي عبد اللّّه: أقول: هذا مسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ، وأنا أعلم أنه لا يسلم الناس منه، فذكر حديث مَعْمَر عن الزهري، فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل، قال أبو عبد اللّّه: حدثناه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، قيل لأبي عبد الله: فنقول: الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك، فذكر قوله: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال كذا، أخرجوا من كان في قلبه مثقال كذا) فهو يدل على ذلك وذكر عند أبي عبد اللّه عيسى الأحمر، وقوله في الإرجاء فقال: نعم، وذلك خبيث القول، وقال أبو عبد الله: حدثنا مُؤَمَّل، حدثنا حماد بن زيد، سمعت هشامًا يقول: كان الحسن ومحمد يقولان: مسلم. ويهابان: مؤمن.
قلت لأبي عبد اللّّه: رواه غير سُوَيْد؟ قال: ما علمت بذلك، وسمعت أبا عبد اللّّه يقول: الإيمان قول وعمل. قلت لأبي عبد اللّّه: فالحديث الذي يروى: (أعتقها فإنها مؤمنة) قال: ليس كل أحد يقول: إنها مؤمنة، يقولون: أعتقها. قال: ومالك سمعه من هذا الشيخ هلال بن علي لا يقول: (فإنها مؤمنة) / وقد قال بعضهم بأنها مؤمنة، فهي حين تقر بذاك فحكمها حكم المؤمنة، وهذا معناه. قلت لأبي عبد اللّّه: تفرق بين الإيمان والإسلام؟ فقال: قد اختلف الناس فيه، وكان