فهرس الكتاب
أبي نجِيح، عن مجاهد: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] : لآمرهم وأنهاهم، كذلك روى عن الرَّبِيع بن أنس قال: ما خلقتهما إلا للعبادة.
ويدل على هذا مثل قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] ، يعنى: لا يؤمر ولا ينهى، وقوله: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77] ، أي: لولا عبادتكم، وقوله: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147] ، وقوله: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} إلى قوله: {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 130، 131] ، وقوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} الآيات [يس: 60، 61] /وما بعدها، وقالت الجن لما سمعوا القرآن: {يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} الآية [الأحقاف: 30، 31] ، وما بعدها، وقالت الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} الآية [الجن: 14] وما بعدها.
وقد قال في القرآن في غير موضع: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [البقرة: 21] ، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [الحج: 1] ، فقد أمرهم بما خلقهم له وأرسل الرسل إلى الإنس والجن، ومحمد أرسل إلى الثقلين، وقرأ القرآن على الجن، وقد روى أنه لما قرأ عليهم سورة الرحمن وجعل يقرأ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] يقولون: ولا بشىء من آلائك ربنا نُكَذِّب فلك الحمد. فهذا هو المعنى الذي قصد بالآية قطعًا، وهو الذي تفهمه جماهير المسلمين، ويحتجون بالآية عليه، ويعترفون بأنه الله خلقهم ليعبدوه، لا ليضيعوا حقه، وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده؟) . قال: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟) . قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن حقهم عليه ألا يعذبهم) ، وفي المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) .
/ثم للناس على هذا القول قولان:
قول أهل السنة المثبتة للقدر، وقول نفاته، فصارت الأقوال في الآية سبعة، وفي الحكمة خمسة.
فأما أهل السنة المثبتون للقدر فيقولون: قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونٍِِِِ} [الذاريات: 56] ، لا يستلزم وقوع العبادة منهم، كما قال أصحاب هذه الأقوال المتقدمة، ولا يستلزم نفي المقدور أن يكون في ملكه ما لا يشاء أو يشاء مالا يكون، كما قالت القدرية، فهؤلاء يقولون: لم يقع ما خلقهم له لكونه يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، أولئك قالوا: إذا كان ما يشاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فما لم يقع لم يشأه، فما لم يقع من العبادة لم يشأها، وهذا معنى صحيح، ثم قالوا: وما خلقهم له فلابد أن يشاء أن يخلقه، فلما لم يشأه أن يخلق هذا لم يخلقهم له.
فالطائفتان أصل غلطهم ظنهم أن ما خلقهم له يشاء وقوعه، وأولئك يقولون: يشاء أن يخلقه، وهؤلاء يقولون: يشاء وقوعه منهم، بمعنى: يأمرهم به، وما عندهم أن له مشيئة في أفعال العباد غير الأمر، وهم يعصون أمره؛ فلهذا قالوا: يكون ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، كما يقولون: يفعلون ما نهاهم عنه، ويتركون ما أمرهم به، وهذا المعنى صحيح إذا أريد الأمر الشرعي؛ لكن القدرية النفاة لا يقولون: إنه شاء إلا بمعنى أمر، فعندهم ما ليس طاعة من أفعال