الصفحة 16 من 43

يَعْرِفُهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُعْطِيهِ. وَأَقْوَامٌ كَثِيرُونَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَوْمٌ لَهُمْ رَوَاتِبُ أَضْعَافُ حَاجَاتِهِمْ. وَقَوْمٌ لَهُمْ رَوَاتِبُ مَعَ غِنَاهُمْ وَعَدَمِ حَاجَاتِهِمْ. وَقَوْمٌ يَنَالُونَ جِهَاتٍ كَمَسَاجِدَ وَغَيْرِهَا فَيَاخُذُونَ مَعْلُومَهَا وَيَسْتَثْنُونَ مَنْ يُعْطُونَ شَيْئًا يَسِيرًا. وَأَقْوَامٌ فِي الرَّبْطِ وَالزَّوَايَا يَاخُذُونَ مَالًا يَسْتَحِقُّونَ وَيَاخُذُونَ فَوْقَ حَقِّهِمْ وَيَمْنَعُونَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُمْ حَقَّهُ أَوْ تَمَامَ حَقِّهِ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. وَلَا يَسْتَرِيبُ مُسْلِمٌ أَنَّ السَّعْيَ فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ غَيْرِهِ وَإِعْطَاءَ الْوِلَايَاتِ وَالْأَرْزَاقِ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا وَالْعَدْلَ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَفِعْلَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ: هُوَ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ وُلَاةِ الْأُمُورِ؛ بَلْ وَمِنْ أَوْجَبِهَا عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْعَدْلُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَكَمَا أَنَّ النَّظَرَ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ وَالتَّعْدِيلَ بَيْنَهُمْ؛ وَزِيَادَةَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الزِّيَادَةَ وَنُقْصَانَ مَنْ يَسْتَحِقُّ النُّقْصَانَ وَإِعْطَاءَ الْعَاجِزِ عَنْ الْجِهَادِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: هُوَ مِنْ أَحْسَنِ أَفْعَالِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَأُوجِبْهَا فَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي حَالِ سَائِرِ الْمُرْتَزَقِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْمَصَالِحِ وَالْوُقُوفِ وَالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ وَإِعْطَاءِ الْمُسْتَحِقِّ تَمَامَ كِفَايَتِهِ وَمَنْعِ مَنْ دَخَلَ فِي الْمُسْتَحِقِّينَ وَلَيْسَ مِنْهُمْ مَنْ أَنْ يُزَاحِمَهُمْ فِي أَرْزَاقِهِمْ. وَإِذَا ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْغِنَى وَطَلَبِ الْأَخْذِ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيِّ وَلَا لَقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ؛ {فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلَانِ مِنْ الصَّدَقَةِ فَلَمَّا رَآهُمَا جَلْدَيْنِ صَعِدَ فِيهَا النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ. فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيِّ وَلَا لَقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ} . وَأَمَّا إنْ ذَكَرَ أَنَّ لَهُ عِيَالًا. فَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى بَيِّنَةٍ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ مَشْهُورَانِ: هُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ فِيهِ: يَفْتَقِرُ إلَى بَيِّنَةٍ. فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ مِنْ الشُّهُودِ الْمُعَدِّلِينَ؛ بَلْ يَجِبُ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَزِقُوا عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ إذَا أَخَذُوا عَلَيْهَا رِزْقًا لَا سِيَّمَا مَعَ الْعِلْمِ بِكَثْرَةِ مَنْ يَشْهَدُ بِالزُّورِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الشُّهُودَ فِي الشَّامِ الْمُرْتَزِقَةَ بِالشَّهَادَةِ لَا يَشْهَدُونَ فِي الاجتهاديات كَالْأَعْشَارِ وَالرُّشْدِ وَالْعَدَالَةِ وَالْأَهْلِيَّةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ بَلْ يَشْهَدُونَ بِالْحِسِّيَّاتِ كَاَلَّذِي سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ بالاجتهاديات يَدْخُلُهَا التَّاوِيلُ وَالتُّهَمُ فَالْجُعْلُ يُسَهِّلُ الشَّهَادَةَ فِيهَا بِغَيْرِ تَحَرٍّ؛ بِخِلَافِ الْحِسِّيَّاتِ؛ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا كَذِبٌ صَرِيحٌ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ يُقَدَّمُ عَلَى صَرِيحِ الزُّورِ. وَهَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ بَلْ إذَا أَتَى الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ بِمَنْ يُعْرَفُ صِدْقُهُ مِنْ جِيرَانِهِ وَمَعَارِفِهِ وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ. وَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَنْ بِالرَّبْطِ وَالزَّوَايَا غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ. كَمَا أَنَّ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ فِيهِمْ مُسْتَحِقٌّ لِمَا يَاخُذُهُ هُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا فَلَا هَذَا وَلَا هَذَا؛ بَلْ فِيهِمْ الْمُسْتَحِقُّ الَّذِي يَاخُذُ حَقَّهُ. وَفِيهِمْ مَنْ يَاخُذُ فَوْقَ حَقِّهِ. وَفِيهِمْ مَنْ لَا يُعْطَى إلَّا دُونَ حَقِّهِ. وَفِيهِمْ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ. حَتَّى إنَّهُمْ فِي الطَّعَامِ الَّذِي يَشْتَرِكُونَ فِيهِ يُعْطَى أَحَدُهُمْ أَفْضَلَ مِمَّا يُعْطَى الْآخَرُ وَإِنْ كَانَ أَغْنَى مِنْهُ؛ خِلَافَ مَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْعَدْلِ الَّذِينَ يُسَوُّونَ فِي الطَّعَامِ بِالْعَدْلِ كَمَا يُعْمَلُ فِي رِبَاطَاتِ أَهْلِ الْعَدْلِ. وَأَمَرَ وَلِيُّ الْأَمْرِ هَؤُلَاءِ بِجَمِيعِ [مَا ذُكِرَ] هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ وَأَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ. وَمَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْحُكَّامِ: مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ هَؤُلَاءِ إلَّا الْأَعْمَى وَالْمُكَسَّحَ وَالزَّمِنَ. قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت