بِنَصْرَانِيَّةٍ وَإِمَّا بصابئية؛ إذَا كَانَ مَا انْحَرَفُوا إلَيْهِ مُبَدَّلًا مَنْسُوخًا وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مَشْرُوعًا فموسوية أَوْ عيسوية.
فَصْلٌ وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَإِنَّ أَصْلَ الدِّينِ أَنَّهُ لَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ عَابَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ حَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَأَنَّهُمْ شَرَعُوا مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَا مِنْ قَوْلِهِ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ} الْآيَةَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ تَحْرِيمِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ وَمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ الشِّرْكِ وَذَمَّهُمْ عَلَى احْتِجَاجِهِمْ عَلَى بِدَعِهِمْ بِالْقَدَرِ قَالَ تَعَالَى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} الْآيَةَ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْت لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} وَذَكَرَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ مَا حَرَّمُوهُ وَمَا شَرَعُوهُ وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} الْآيَةَ وَقَالَ: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} الْآيَةَ فَبَيَّنَ لَهُمْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَمَا حَرَّمَهُ هُوَ وَقَالَ ذَمًّا لَهُمْ: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ} الْآيَةَ. وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُحَرِّمَ إلَّا مَا جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِتَحْرِيمِهِ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ. سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَعْيَانُ وَالْأَفْعَالُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْرَعَ دِينًا وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى وُجُوبِهِ وَاسْتِحْبَابِهِ. إذَا عُرِفَ هَذَا فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَعْظَمُ النَّاسِ اعْتِصَامًا بِهَذَا الْأَصْلِ؛ فَإِنَّهُمْ أَشَدُّ أَهْلِ الْمَدَائِنِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَرَاهِيَةً لِلْبِدَعِ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى مَا حَرَّمَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَهُمْ لَا يُحَرِّمُونَهُ. وَأَمَّا الدِّينُ فَهُمْ أَشَدُّ أَهْلِ الْمَدَائِنِ اتِّبَاعًا لِلْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَبْعَدُهُمْ عَنْ الْعِبَادَاتِ الْبِدْعِيَّةِ. وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ اسْتَحَبُّوا لِلْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ وَالْمُصَلِّي وَنَحْوِهِمْ أَنْ يَتَلَفَّظُوا بِالنِّيَّةِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَقَالُوا: إنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ قَصْدِهَا بِالْقَصْدِ وَإِنْ كَانَ التَّلَفُّظُ بِهَا لَمْ يُوجِبْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَمْ يَسْتَحِبُّوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَلِأَصْحَابِ أَحْمَد وَجْهَانِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ بَلْ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَلَا يَقُولُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كَذَلِكَ فِي تَعْلِيمِهِ لِلصَّحَابَةِ إنَّمَا عَلَّمَهُمْ الِافْتِتَاحَ بِالتَّكْبِيرِ فَهَذِهِ بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ وَهِيَ أَيْضًا غَلَطٌ فِي الْقَصْدِ فَإِنَّ الْقَصْدَ إلَى الْفِعْلِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِي النَّفْسِ فَالتَّلَفُّظُ بِهِ مِنْ بَابِ الْعَبَثِ كَتَلَفُّظِ الْآكِلِ بِنِيَّةِ الْأَكْلِ؛ وَالشَّارِبِ بِنِيَّةِ الشُّرْبِ؛ وَالنَّاكِحِ بِنِيَّةِ النِّكَاحِ؛ وَالْمُسَافِرِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ؛ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَقِيَّةُ السَّلَفِ الْكِرَامِ الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ الْمَقْذُوفُ فِي قَلْبِهِ النُّورُ الْقُرْآنِيُّ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد ابْنُ تيمية الحراني قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ الْجِنَانِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ