فهرس الكتاب
لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى
فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد:"والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم"فأسقط عنه الحد؟ قيل: الظاهر أن سعدا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى ; فإنه لما رأى تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى درأ عنه الحد ; لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة وجعلتها كقطرة بحاسة وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال ; إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت، وأيضا فإنه بتسليم نفسه ووضع رجله في القيد اختيارا قد استحق أن يوهب له حده كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، فقال: هل صليت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم، قال: اذهب فإن الله قد غفر لك حدك} وظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته، فقال: والله لا أشربها أبدا، وفي رواية {أبد الأبد} وفي رواية {قد كنت آنف أن أتركها من أجل جلداتكم، فأما إذ تركتموني فوالله لا أشربها أبدا}
ونستفيد من فعل سعد أنه إذا تبين لنا أن في إنكار المنكر مفسدة راجحة فإن من المصلحة أن لا ننكره كما لو أسلم شخص وكان شديد التعلق بشرب الخمر فلا ننكر عليه خشية خشية أن يرتد حتى يثبت الإيمان في قلبه.
كيفية الموازنة بين المصالح عند تعارضها:
تبين لنا في الضابط السابع أن المصالح المعتبرة شرعاص هي المصالح الغالبة، وهنا يتبادر سؤال: ماهي الضوابط الشرعية للموازنة بين المصالح عند اجتماعها لمعرفة الغالب منها من المغلوب؟
فالعمل عند تعارض المصالح كالتالي:
الحالة الأولى: إذا تعارضت مصلحتان أو أكثر، فإن أمكن تحصيلها جميعًا فعلنا، قال ابن القيم: فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح قدر الإمكان، وأن لا يفوّت منها شيء، فإن أمكن تحصيلها كلها حُصّلت، وإن لم يكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض، قُدّم أكملها وأهمها وأشدها طلبًا للشارع. انتهى كلامه.
ومن أمثلة ذلك:
1 -هل الأفضل للشخص أن يقرأ القرآن أو يصلي؟ والجواب أن الأفضل أن يقرأ القرآن وهو يصلي فيجمع بين المصلحتين.