فهرس الكتاب
هذه الوسطية نجدها في التعامل ، {ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} أي زاوج بين اللين والشدة ، فاللين وحده لا يُخضع كل الناس للإيمان بالمطلوب ، كما أن الشدة وحدها لا تحبب الناس في الإيمان به ، فلا بد من المزاوجة ، هكذا كان هدي السابقين ، ولعل"شعرة معاوية"خير مثال علي ذلك"لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت ، لو شدوها أرخيتها ، ولو أرخوها شددتها". هذه هي الوسطية ، والتي نجدها في الإنفاق {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} هذه صفة من صفات عباد الرحمن ، فالإنفاق مطلوب علي وجه اللزوم ، وإلا وقفت حركة الحياة ،ولما قدر الناس علي الاستمرار فيها لأداء حق الله ، لكن التوسط والاعتدال فيه هو المأمور به من الله ؛ لأن فيه منفعة للفرد والمجتمع ، وأفضل الأعمال ما كان صالحا للفرد والمجتمع ، فالتوسط يحقق ارتقاء ذاتيا واجتماعيا ؛ لأننا إذا افترضنا أن شخصا ما يتقاضي دخلا شهريا مائة جنيه ، فإذا ما أنفق نصفها استهلاكًا باع التاجر ؛ فصنع الصانع وزرع الزارع ؛ فتسير حركة الحياة في نمو ، فيحدث"ارتقاء اجتماعى"، وفي ذات الوقت هو يدبر كل شهر نصف دخله ، فيزيد وينمو ؛ فيغير من معيشته إلي الأفضل وهذا هو"الارتقاء الذاتى". أما إذا أسرف فأضاع كل دخله ، ارتقي المجتمع وانهار هو علي المستوي الذاتي ؛ لأنه لا فائض عنده يطور به حياته ، والعكس كذلك إذا بخل وقتر زاد ماله الخاص وارتقي كثيرا ولكن يتأخر المجتمع فتقف حركة الحياة ؛ من هنا كانت الدقة في الاعتدال أو القوام ، فهو المطلوب ، لذلك حينما أراد عبدالملك بن مروان أن يزوج ابنته من عمر ابن عبدالعزيز سأله: ما نفقتك يا عمر ؟ فقال: حسنة بين سيئتين وتلا الآية السالفة ، فاطمئن الخليفة وقال: علي بركة الله يا عمر .