الصفحة 93 من 374

أن يرجع إليه في رأي ولا علم، كيف لا وقد اجتمعوا على الرجوع إلى أئمة الفن

في هذا الباب، لأنه أمر لم يبق فيه مجال ولا نظر ولا احتمال، وهذا من البديهيات

الغنية عن الحجة والبرهان.

رفع وهم في عبارة للبخاري

وأما زعم أن قول البخاري في جزء رفع اليدين: كان زائدة لا يحدّث إلا أهل

السنة اقتداء بالسلف - يخالف ما استنبطناه، فعجيب جدًّا؛ لأنه لا شاهد فيه، ولا

يناسب بحثنا حتى يخالفه، لأن زائدة رحمه الله كان يمتنع عن تحديث غير أهل

السنة، أي إسماعهم الحديث وإقرائهم إياه، وذلك في التلاميذ منهم والمبتدئين في

طلب الحديث الذين يبغون التلقي والسماع، وقد انتموا إلى غير مذهب أهل السنة،

فكان زائدة يتجافى تحديثهم اقتداء بمن رآه من سلفه كذلك، ولا منازعة في

الوجدانيات ولا يكلف المرء ما لا يطيقه، فمن كانت نفسه لا تحب إسماع من كان

كذلك، فله الخيرة ولا جناح عليه في ترك الإسماع، لا سيما لتلاميذ لم يتأهلوا بعد

للنظر والوقوف على التحقيق، فمثلهم إنما يكون مقلدًا لا مجتهدًا، وأما حفاظ شيوخ،

ذوو علم ورسوخ، أوتوا من العلم والفضل ما أهَّلهم للتحمل عنهم، والاستفادة من

علمهم، بحيث طارت شهرتهم، وتفوقوا على غيرهم، فلا دخل لكلام زائدة فيهم،

ولا يشملهم مشربه، وهكذا نحن نقول: لا ينبغي لأستاذ أن يشرح صدره لتلاميذ

أغرار، انتحلوا غير ما يراه الحق بدون نظر أو فكر، بل تقليدًا أو اتباعًا لكل

ناعق.

وأما من بلغ مرتبة الرسوخ والإفادة، وكان على جانب عظيم من العلم،

وانتحل ما انتحل عن اجتهاد ونظر، فلا يرتاب أحد في العناية بالأخذ عنه،

والتلقي منه، كما فعل الأئمة أمثال البخاري، وأشياخه، فكلام زائدة من وادٍ، وما

نقوله من وادٍ آخر. وهكذا يقال فيمن حكى عنهم من المرجئة من أهل بلخ، وأما

قوله: ولقد رأينا غير واحد من أهل العلم يستتيبون أهل الخلاف، وإلا أخرجوهم

من مجالسهم، فهو يعني به من ذكرناه من التلاميذ لقوله: وإلا أخرجوهم، وهل

يخرج إلا المتعلم الضعيف في العلم والفهم، المتطفل على ما ليس له بأهل؟ وشتان

بين من يخرج من مجلس الحديث من أهل الخلاف وبين من يرحل إليه ويتحمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت