يقول قتادة: (إن الرجل إذا كان كلما هوي شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى فقد اتخذ إله هواه) جامع العلوم والحكم (1/ 210) وعندما يكون ضعف التدين موجودًا، والإنسان لا يرى النار، ولا يتذكرها، ويصير محجوبًا، يقع في الفخ الذي ينصب له، ولذلك كان جهاد الهوى من أعظم أنواع الجهاد، قال رجل للحسن البصري رحمه الله: (يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل؟ قال: جهادك هواك) .
قال ابن القيم: (وأفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه) الفوائد صـ 59.
توجيهات في مقاومة الإغراءات
ولا بد أيها الأخوة حتى نقاوم الإغراءات أنه ما تشغلنا الدنيا عن الآخرة، {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (الأعلى:16 - 17) . سورة الأعلى، لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله من الآخرة، متزود منها، بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك، ثم لا للترف الزائد، طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا، وأيضًا لا بد أن يوجد في المجتمع قدوات ناصحون، متمسكون بالدين، آباء صالحون، معلمون، أئمة، طلبة علم، دعاة، أهل دين، هؤلاء يثبتون الناس، هؤلاء يجذبون الناس، هؤلاء يربطون الناس بالله، وأما إذا كان الأب مشغولًا، والأم مشغولة، وانشغل الناس عن الدعوة، وعن الوظائف الشرعية، وعن نصح الآخرين، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما الذي إذًا سوف يثبت الناس، ما الذي سوف يجلبهم إلى الحق، الواحد يتقوى بغيره، يتقوى بموقف غيره، فلو كان عندك عدد من الثابتين على مواقفهم، فهم يثبتونك معهم.
ثم لا بد نعرف ما هي حقيقة الدنيا، ما هي حقيقة هذا الزخرف، ما هي حقيقة هذه الزينة، {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا} (الحديد: الآية20) . النهاية ماذا؟ {حُطَامًا} (الحديد: الآية20) .
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ - على جَانِبيه -، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ - صغير الأذنين، ميت - فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ:- انظر القدوة والإمام والعالم كيف التربية - أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ - هذا جدي أسك ميت -
فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟
قَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟
قَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ.
فَقَالَ: (فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ ) ) مسلم (2957) .
الواحد أحيانًا يتأمل يقول: الدنيا فيها ناطحات سحاب، وفيها مزارع هائلة، وفيها ثروات ضخمة، ومناجم ذهب وفضة، وفيها الكترونيات، وأجهزة، واختراعات، وطيارات، وفخامة وضخامة، وفيها لباس كل هذه ما تسوى عند