وملخص الحديث ما جاء في رواية البخاري: (( حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره ) )البخاري (6487) ، هذا من بديع الكلام, الجنة محفوفة بالمكاره لا يمكن الوصول إلى الجنة إلا عبر المكاره, والذي يظن أنه يمكن أن يدخل الجنة من غير أن يقتحم المكاره فهو مخطئ, لا يمكن تدخل الجنة يا أخي ويا أيتها الأخت المسلمة إلا بالمكاره, ما تقتحم المكاره وتصبر على التكاليف وعلى المشاق لا يمكن تدخل, وكذلك النار لا يمكن دخول النار إلا بالشهوات, وإذا الإنسان ما اقتحم الشهوات لن يدخل النار لأنها حفت من جميع الجهات, ما في طريق للوصول إلا بهذا, هذه النار حفت بالشهوات؛
والشهوات إغراءات, الشهوات متعددة شهوة النساء شهوة المال شهوة المنصب شهوة الشهرة والنجومية هذا يغري وهذا يغوي هذا يجذب وهذا يردي حتى آخر لحظة الشيطان يعمل, الشيطان مخلوق من قبل آدم وسيبقى إلى آخر الزمان, هذا الشيطان طلب من ربه أن ينظره, أمهلني {أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (الأعراف:14) . الله عز وجل أعطاه ما طلب {فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} (الحجر:37 - 38) . وهو يعمل في البشرية في إغوائها وإغرائها ويزداد الشيطان خبرة مع مرور أجيال البشرية وتعاقبها ولذلك ترى التفنن الشيطاني الآن في إغواء الناس لم يحصل له مثيل من قبل في تاريخ البشرية, ولا يوجد على البشرية وقت عمت فيه فتن الشهوات مثل هذا الزمان قائلًا متعهدًا: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (الحجر:40) . قال عليه الصلاة والسلام: (( إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم, قال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ) ). رواه الإمام أحمد (11255) وهو حديث حسن.
كيف سيتمكن من الإغواء؟ هو يقول: في كلامه {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} (الأعراف:17) . من جميع الجهات من جميع الجوانب, وأيضًا قال: {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (الحجر:39 - 40) , فما هو الإغواء؟ إنه التزين والتحسين للشر حتى يغري به, ولذلك كان أول ضحية للشيطان في قضية الإغواء آدم وحواء {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} (الأعراف: الآية20) . وأخرج الله الأبوين من الجنة بإغواء آدم, اختبار مقاومة الإغراء لم يصمد فيه أبونا وأمنا، وبعد التوبة صارا خير البشر في ذلك الوقت طبعًا, وقال الله: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} (الأعراف: الآية27) . ظل الإغراء هو الاختبار هو المحك لا تجتاز الخطر إلا بمقاومة هذا الإغواء والإغراء, هذا الطريق لإبليس ابتلى الله عباده به وجعل في الأرض أشياء تساعد على الانزلاق ويستعين بها إبليس في إغواء الناس {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ} (الكهف: الآية7) هناك مآكل لذيذة، مشارب، مساكن طيبة، مناظر بهيجة، رياض أنيقة، أصوات شجية، صور مليحة، أشكال جملية، فاتنة جذابة خلابة، ذهب فضة، مناصب شهرة، زينة فتنة اختبار, قال ابن القيم -رحمه الله-: (وكما ابتلاهم بأمره ونهيه يعني بالتكاليف الشرعية ابتلاهم بما زين لهم من الدنيا وبما ركب فيهم من الشهوات ... ) شفاء العليل لابن القيم.