فهرس الكتاب
وملك واحد يكفى لحصد المشركين، ولكن الله أراد طمأنة عباده بذكر العدد،"و ما جعله الله إلا بشرى و لتطمئن به قلوبكم و ما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم". وقد اجتهد النبى عليه الصلاة والسلام في الدعاء"اللهم نصرك الذى وعدتنى! اللهم إن تهلك هذه العصابة من المؤمنين فلن تعبد في الأرض". وكان يناشد الله بحرارة واستغراق رافعا ذراعيه إلى السماء حتى سقط رداؤه عن منكبيه وكان أبو بكر خلفه يقول: يا رسول الله بعض مناشدتك لربك، إن الله منجز ما وعدك.. ولم ينته الرسول من دعائه حتى أعلمه الله بمصارع القوم.. ويتساءل العلماء هنا عن قلق أبى بكر في الغار- أثناء الهجرة- حتى كان الرسول هو الذى يثبته، وعن موقفه الواثق في معركة بدر يطمئن الرسول ويهدئه؟؟ والجواب أن عبودية الرسول أوضح وأرسخ من عبودية الأمة كلها. كان في الهجرة فارغ اليد من أسباب النصرة فاطمأن إلى أن الله معه يرعاه ويحفظه. أما في بدر فمعه جيش، وإن كان ضعيفا فقد يعتمد عليه! فرأى النبى الكريم أن يبرأ من حوله وطوله، وأن يلجأ إلى الدعاء طالبا من الله النجدة، منتظرا منه وحده النصر.. وهنا تدخلت أسباب السماء، فنزل! مطر ثبت الرمال تحت أقدامهم، ونامت العيون القلقة، واختفت الوساوس. وربط الله على القلوب ودب الرعب في نفوس الكثرة المشركة، فقاتلت أسوأ قتال. واختفت صفوفها تحت مطارق هزيمة لم تخطر ببال!!"ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله و من يشاقق الله و رسوله فإن الله شديد العقاب". لكن النصر الإلهى لا يستحقه من يفرط في الأسباب المعتادة، وأول هذه الأسباب شجاعة تغرى بالإقدام ما تهاب الردى، وتؤثر ما عند الله فهى تركل الدنيا رغبة في الآخرة. ونحن بلا ريب بشر تربطنا بالحياة أواصر متينة، ويعجبنى تصوير فرسان العرب لهذه المواقف وهم مقبلون على الموت!! يقول عمرو بن معدى كرب: ولقد أحملها كارهة حين للنفس من الموت هرير!! ويقول: فجاشت إلى النفس أول مرة فردت