فهرس الكتاب

الصفحة 11878 من 27345

أخبرنا سبحانه أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله سيستبدل به من هو خير لها منه وأشد منه وأقوم سبيلًا كما قال تعالى: إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ"سورة النساء: 133"وقال:" ( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد ٍوَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيز"( سورة فاطر: 16 - 17"أي بممتنع ولا صعب. وقال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ) "سورة المائدة: 54" (أي يرجع عن الحق إلى الباطل وقيل نزلت في الولاة من قريش أوفي أهل الردة أيام أبى بكر فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) كأبي بكر وأصحابه وأهل القادسية وأهل اليمن وأهل المدينة: ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) ". لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله وإقامة الحد وقتال أعدائه والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يردهم عن ذلك راد ولا يصدهم عنه صاد ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل: ( ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ) "سورة المائدة: 54"أي من اتصف بهذه الصفات فإنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له):وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. إلى أن قال: وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ )"سورة المائدة: 56". كما قال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) . وقال: ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا آبَاءهُمْ أَو أَبْنَاءهُمْ أَو إِخْوَانَهُمْ أَو عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) "سورة المجادلة: 21- 22". فكل من رضى بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة ومنصور في الدنيا والآخرة .

إن المنصور من نصره الله؛ لأنه سعى في نصرة دين الله بالنفس والنفيس والغالي والرخيص، وكان شأنه في ذلك كشأن الأوس والخزرج الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يشركوا بالله شيئًا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصونه في معروف، فإن وفوا فلهم الجنة، وإن غشوا من ذلك شيئًا فأمرهم إلى الله عز وجل، إن شاء غفر وإن شاء عذب. وهذه هي بيعة العقبة الأولى، بايع عليها اثنا عشر رجلًا منهم عشرة من الخزرج، واثنان من الأوس، ثم كانت بيعة العقبة الثانية وقت الحج في العام الذي يلي البيعة الأولى وهي التي حضرها العباس؛ ليستوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اجتمعوا عرفهم العباس بان ابن أخيه لم يزل في منعة من قومه حيث لم يمكنوا منه أحدًا ممن أظهر له العداوة والبغضاء وتحملوا من ذلك أعظم الشدة، ثم قال لهم: إن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإلا فدعوه بين عشيرته فإنه لبمكان عظيم. فعند ذلك قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ لنفسك ولربك ما أحببت، فقال: أشترط لربى أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئًا، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم متى قدمت عليكم، فقال له أبوالهيثم بن التيهان: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال ( اليهود ) عهودًا وإنَّا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: بل الدم الدم والهدم الهدم أي إن طالبتم بدم طالبت به وإن أهدرتموه أهدرته. وقد بايع هذه البيعة ثلاثة وسبعون رجلًا منهم اثنان وستون من الخزرج وأحد عشر من الأوس ومعهم امرأتان. ثم تخير النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر نقيبًا لكل عشيرة منهم واحد وقال لهم: أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي.

ولما رجع الأنصار إلى المدينة ظهر بينهم الإسلام، وازداد أذى المشركين للمسلمين بمكة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة وتتابع المهاجرون فرارًا بدينهم ليتمكنوا من عبادة الله الذي امتزج حبه بلحمهم ودمهم حتى صاروا لا يعبأون بمفارقة أوطانهم والابتعاد عن آبائهم وأبنائهم ما دام في ذلك رضا الله ورسوله، ولحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر بعد أن اضطره المشركون لترك أحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله لنفسه الشريفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت