و إذا كان الدكتور جورج قرم يرى بأنه من أجل استبيان"آليات الفساد الاقتصادية لا بد من إجراء تحليل موضوعي، بلا رجوع للمفاهيم الأخلاقية" [1] .
فنحن نرى بأن الكثير من القيم الأخلاقية الإيجابية المتجددة في الحياة المجتمعية لا يمكن تفعيلها في الواقع الاقتصادي بدون الاعتماد على جهاز مؤسسة رقابي يبحث عن الانحرفات [2] السلبية سواء كان مصدرها أخلاقيا أم كان خلاف ذلك، و يقوم بالتوجيه المتواصل، والتقويم الدائم الذي يحد من تطور آليات الفساد الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي و الثقافي، و ذلك لأن آليات الفساد الاقتصادي تتفاعل و تنمو بشكل مضطرد في ظل انتشار الفساد في نواحي الحياة السياسية و الاجتماعية و الثقافية و الاعلامية الخ .. .
و نرى أهمية السبق التطبيقي في المذهبية الاقتصادية الإسلامية في إدراك ذلك الارتباط بين مختلف نواحي الحياة، و في عدم ترك سير الحياة الاقتصادية للقوانين الطبيعية و الآليات الخفية للسوق التي تنظمها المذهبية الرأسمالية، أو للقوانين و الآليات الإجبارية التي تفرضها النخب المهيمنة على الدولة في المذهبية الاشتراكية، فكان طبيعيا الاعتماد على مؤسسة الحسبة التي قامت بدور ريادي كبير في توجيه الأنشطة المجتمعية بصورة قللت بشكل دائم من نمو الفساد وتطور الانحرافات .
و المتفحص في الواقع الحالي للاقتصاديات الإسلامية يلاحظ إلى أي مدى إستشري الفساد بمختلف مظاهرة و أضحى آلية تعيق تطبيق السياسات الاقتصادية، وتعرقل جهود التغيير التصحيحية التي تتطلبها عملية التنمية الشاملة التي لا يمكن أن تنطلق بدون إعادة الاعتبار للدور التنموي لمؤسسة الحسبة الرقابية الحديثة باعتبارها إحدى أهم مؤسسات الاقتصاد الإسلامي .
(1) ... د. جورج قرم، الفوضي الاقتصادي العالمية الجديدة، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1994، ص= 72 .
(2) ... راجع ابن خلدون، المقدمة ، مرجع سابق ، ص= 398 .