الصفحة 951 من 2066

البلاغة التي نتحدث عنها من حيث التأصيل والتقعيد والضبط المسائل هذه لم تكن ولم تظهر إلا بعد نزول القرآن الكريم عندما احتاج الناس أجمعين عربًا وعجمًا إلى فهم الكتاب والتنزيل، وعندما خيف على اللسان العربي أن تتطرق إليه العجمة واللحن، ومن ثم تتعقد مسائله وأحكامه فقيض الله -عز وجل- همم العلماء، أما العرب قبل الإسلام فإن لغتهم تدرجت في النضج وبلغت أوجها وقمتها وذروتها إبان النزول تنزيل الوحي عندما بعث المصطفى -عليه الصلاة والسلام- هيأ الله -عز وجل- بحكمته البالغة أن ينزل كتابه بلهجة أو بلغة قريش؛ لأن هذه اللغة لغة قريش كانت هي السائدة إبان التنزيل لماذا؟ توافرت أسباب كثيرة كثرة الأسواق وأعظمها سوق عكاظ كانت القبائل تفد بشعرائها وخطبائها وكلهم يتعلم وأيضًا يحذق لغة قريش لماذا؟ لأنه سيكون لسان شاعره بهذه اللغة، اللغة القرشية، ولذلك انتشرت هذه اللغة ثم إن رحلة قريش في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام هؤلاء العرب وهم معهم شعراؤهم وغير ذلك يحتكون بالقبائل التي في الطريق، فالقبائل هذه استفادت من لهجة ولغة قريش فشاعت هذه اللهجة وتمكنت فكانت العرب بشكل عام في مفاخراتها في مطارحاتها وفي أشعارها وفي منتدياتها تحاول أو تتكلم باللغة القرشية فلما نزل القرآن الكريم بهذه اللهجة بهذه اللغة عرف العرب منطق القرآن وفهمه ولذلك كانوا يشدهون به بمعنى أنه قبل القرآن الكريم لم يكن هناك علوم كما نعلم ولا قواعد ولا ضوابط كانت اللغة ذوقية سماعية يسمعها ثم يهتز العربي لها، لو سألته تعجب، لكن أن يفلسف ويمنطق لك، لم تكن العرب أمة فلسفة أو منطق أو تأليف أو كذا، وإنما كانت أمة لسن وفصاحة وبيان وشعر بحيث إن الألسن تخرص إذا سمعت، لما جاء القرآن الكريم بجزيل فصاحته وقوة بلاغته بهرهم فكان كالشمس وشعراؤهم كالسروج، فانطفأت سروجهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت