فهرس الكتاب
الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا لَهَا قَصْرًا عَظِيمًا مِنْ قَوَارِيرَ أَيْ مِنْ زُجَاجٍ، وَأَجْرَى تَحْتَهُ الْمَاءَ، فَالَّذِي لَا يَعْرِفُ أَمْرَهُ يَحْسَبُ أَنَّهُ مَاءٌ، وَلَكِنَّ الزجاج يحول بين الماشي وبينه، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: ثُمَّ قَالَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا، وَسُلْطَانًا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُلْطَانِهَا، فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا لَا تَشُكُّ أَنَّهُ مَاءٌ تَخُوضُهُ، فَقِيلَ لَهَا {إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ} فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ، دَعَاهَا إِلَى عبادة الله وحده وعاتبها في عبادة الشمس من دون الله، قَالَتْ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَأَسْلَمَتْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهَا (روى ابن أبي شيبة أثرًا غريبًا عن ابن عباس ثم قال: مَا أحسنه من حديث، وقد ضربنا صفحًا عنه لغرابته ونكارته ولأنه من الإسرائيليات، وهو كما قال ابن كثير: منكر جدًا من أوهام عطاء بن السائب عن ابن عباس) . وأصل الصَّرْحِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الْقَصْرُ وَكُلُّ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِخْبَارًا عن فرعون لعنه الله {ابن لي صرحا لعلي أَبْلُغُ الأسباب} الآية، وَالصَّرْحُ قَصْرٌ فِي الْيَمَنِ عَالِي الْبَنَّاءِ، وَالْمُمَرَّدُ الْمَبْنِيُّ بَنَّاءً مُحْكَمًا أَمْلَسَ {مِنْ قَوَارِيرَ} أَيْ زجاج، وَالْغَرَضُ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اتَّخَذَ قَصْرًا عَظِيمًا مَنِيفًا مِنْ زُجَاجٍ، لِهَذِهِ الْمَلِكَةِ لِيُرِيَهَا عَظَمَةَ سُلْطَانِهِ، وَتَمَكُّنِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا آتَاهُ الله وَجَلَالَةَ مَا هُوَ فِيهِ، وَتَبَصَّرَتْ فِي أَمْرِهِ انقادت لأمر الله تعالى وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، وأسلمت لِلَّهِ عزَّ وجلَّ، وَقَالَتْ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} أَيْ بِمَا سَلَفَ مِنْ كُفْرِهَا وَشِرْكِهَا وعبادتها وقومها لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أَيْ مُتَابَعَةً لِدِينِ سُلَيْمَانَ فِي عِبَادَتِهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.