فهرس الكتاب

الصفحة 2960 من 3637

المنزلة على الأنبياء قبله، {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} أَيْ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْإِخْبَارِ، {وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} فِي الْأَعْمَالِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ مشتمل على: خَبَرٍ وَطَلَبٍ، فَخَبَرُهُ صِدْقٌ، وَطَلَبُهُ عَدْلٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} ، وَهَكَذَا قَالَتِ الْجِنُّ {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} فِي الِاعْتِقَادَاتِ، {وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} أَيْ فِي الْعَمَلِيَّاتِ {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللَّهِ} فِيهِ دَلَالَةٌ على أنه تعالى أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين، الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا خِطَابُ الْفَرِيقَيْنِ وَتَكْلِيفُهُمْ وَوَعْدُهُمْ وَوَعِيدُهُمْ وَهِيَ «سُورَةُ الرَّحْمَنِ» ، وَلِهَذَا قَالَ: {أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ} .

وَقَوْلُهُ تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} قِيلَ إِنَّ {مِّن} ههنا زائدة، وفيه نظر، وقيل إنها لِلتَّبْعِيضِ، {وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أَيْ وَيَقِيكُمْ من عذابه الأليم، ومؤمنوا الجن يدخلون الجنة كمؤمني الإنس، ويدل عليه قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ ربه جنتان} فَقَدِ امْتَنَّ تَعَالَى عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِأَنْ جَعَلَ جزاء محسنهم الجنة، ولم يرد نَصٌّ صَرِيحٌ وَلَا ظَاهِرٌ عَنِ الشَّارِعِ، أَنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَإِنْ أُجِيرُوا من النار، ولو صح لقلنا به. وقد حكي فيهم أقوال غريبة، فَمِنَ النَّاسِ مَن زَعَمَ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ يَرَاهُمْ بنو آدم ولا يرو بني آدم، بعكس مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَا يَأْكُلُونَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا يَشْرَبُونَ، وَإِنَّمَا يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّقْدِيسَ عِوَضًا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، كَالْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ مِنْ جِنْسِهِمْ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِيهَا نَظَرٌ، وَلَا دليل عليها، ثم قال مخبرًا عنهم: {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ} أَيْ بَلْ قُدْرَةُ اللَّهِ شَامِلَةٌ لَهُ وَمُحِيطَةٌ بِهِ {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أَيْ لَا يُجِيرُهُمْ مِنْهُ أَحَدٌ {أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وَهَذَا مَقَامُ تَهْدِيدٍ وَتَرْهِيبٍ، فَدَعَوْا قَوْمَهُمْ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَلِهَذَا نَجَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَجَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُفُودًا وُفُودًا كَمَا تَقَدَّمَ بيانه، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت