وَالْأُنْثَى
-46 - مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى
-47 - وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى
-48 - وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى
-49 - وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى
-50 - وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى
-51 - وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَى
-52 - وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى
-53 - وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى
-54 - فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى
-55 - فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى
يقول تعالى: {وَإِن إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} أَيِ الْمَعَادُ يَوْمَ القيامة، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: قَامَ فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَقَالَ: يَا بَنِي أَوْدٍ! إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْكُمْ، تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَعَادَ إِلَى اللَّهِ، إِلَى الجنة أو إلى النار (أخرجه ابن أبي حاتم) ، وذكر البغوي، عَنْ أُبي بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} قَالَ: «لَا فِكْرَةَ فِي الرَّبِّ» ، وفي الصَّحِيحِ:"يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بالله ولينته". وفي الحديث الَّذِي فِي السُّنَنِ: «تَفَكَّرُوا فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَلَا تُفَكِّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تعالى خَلَقَ مَلَكًا مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ» أَوْ كَمَا قَالَ، وقوله تعالى: {وإنه هُوَ أَضْحَكَ وأبكى} أي خلق الضحك والبكاء وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} ، كَقَوْلِهِ: {الذي خَلَقَ الموت والحياة} ، {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} ، كَقَوْلِهِ: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى} ؟ وقوله تعالى: {وَإِن عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى} ، أَيْ كَمَا خَلَقَ الْبَدَاءَةَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ، وَهِيَ النَّشْأَةُ الْآخِرَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} أَيْ مَلَّكَ عِبَادَهُ الْمَالَ وَجَعَلَهُ لَهُمْ (قُنْيَةً) مُقِيمًا عِنْدَهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى بَيْعِهِ، فَهَذَا تمام النعمة عليهم، وعن مجاهد {أغنى} موّل {وأقنى} أخدم، وقال ابن عباس {أغنى} : أعطى، {وأقنى} : رضّى، وَقَوْلُهُ: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} قَالَ ابْنُ عباس: هُوَ هَذَا النَّجْمُ الْوَقَّادُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مِرْزَمُ الْجَوْزَاءِ، كَانَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ يَعْبُدُونَهُ، {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} وَهُمْ قَوْمُ (هُودٍ) ويُقال لهم (عاد بن إرم) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد} ؟ فَكَانُوا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ وَأَقْوَاهُمْ، وَأَعْتَاهُمْ عَلَى الله تعالى وَعَلَى رَسُولِهِ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} ، وقوله تعالى: {وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَى} أَيْ دَمَّرَهُمْ فَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، {وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ} أَيْ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ {إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وأطغى} أي أشد تمردًا من الذين بَعْدِهِمْ، {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} يَعْنِي مَدَائِنَ لُوطٍ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، وَلِهَذَا قَالَ: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} يَعْنِي مِنَ الْحِجَارَةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا عَلَيْهِمْ {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} ؟ أَيْ فَفِي أَيِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ تَمْتَرِي قَالَهُ قَتَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} ؟ يَا مُحَمَّدُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَهُوَ اخْتِيَارُ ابن جرير.