الصفحة 30 من 47

القراء بعده يسلكون طريقته في تصانيفهم ويحذون حذوه". ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء؛ فإن كتاب السنن الذي صنفه يدل على أنه كان ممن اعتنى بالفقه لأنه لا يقدر على جمع ما تضمنه ذلك الكتاب إلا من تقدمت معرفته بالاختلاف في الأحكام. وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الاصطخري, وقيل بل درس الفقه على صاحب لأبي سعيد, وكتب الحديث عن أبي سعيد نفسه. ومنها أيضا المعرفة بالأدب والشعر, وقيل إنه كان يحفظ دواوين جامعة من الشعراء وسمعت حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق يقول:"كان أبو الحسن الدارقطني يحفظ ديوان السيد الحميدي في جملة ما يحفظ من الشعر فنسب إلى التشيع لذلك"."

وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ:"الإمام شيخ الإسلام, حافظ الزمان, الحافظ الشهير"، وقال ابن كثير المتوفي سنة 774 في البداية والنهاية:"الحافظ الكبير أستاذ هذه الصناعة قبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا, سمع الكثير وجمع وصنف وألف وأجاد وأفاد وأحسن النظر والتعليل والانتقاد والاعتقاد وكان فريد عصره ونسيج وحده وإمام دهره في أسماء الرجال وصناعة التعليل والجرح والتعديل وحُسن التصنيف والتأليف واتساع الرواية والاطلاع التام في الرواية، له كتابه المشهور من أحسن المصنفات في بابه لم يسبق إلى مثله ولا يلحق في شكله إلا من استمد من بحره وعمل كعمله, وله كتاب العلل بيّن فيه الصواب من الدخل, والمتصل من المرسل والمنقطع والمعضل, وكتاب الأفراد الذي لا يفهمه فضلا عن أن ينظمه إلا من هو من الحفاظ الأفراد والأئمة النقاد والجهابذة الجياد, وله غير ذلك من المصنفات التي هي كالعقود في الأجياد, وكان من صغره موصوفا بالحفظ الباهر والفهم الثاقب والبحر الزاخر جلس مرة في مجلس إسماعيل الصفار وهو يملي على الناس الأحاديث فقال له بعض المحدثين في أثناء المجلس: إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ. فقال الدارقطني: فهمي للإملاء أحسن من فهمك وأحضر ثم قال له الرجل: أتحفظ كم أملى حديثا؟ فقال: إنه أملى ثمانية عشر حديثا؟ إلى الآن, والحديث الأول منها عن فلان عن فلان ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئا، فتعجب الناس منه وقال:"قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري:"لم يرَ الدارقطني مثل نفسه". وقال ابن الجوزي:"وقد اجتمع له مع معرفة الحديث العلم بالقراءات والنحو والفقه والشعر مع الإمامة والعدالة وصحة العقيدة"، وفي تذكرة الحفاظ للذهبي قال الحاكم:"صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع وإماما في القراء والنحويين وأقمت في سنة سبع وستين -أي وثلاثمائة- ببغداد أربعة أشهر وكثر اجتماعنا فصادفته فوق ما وصف لي وسألته عن العلل والشيوخ, وله مصنفات يطول ذكرها, فأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله".

وقال أبو ذر الهروي:"قلت للحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني؟ فقال: هو لم يرَ مثل نفسه فكيف أنا".

وكان عبد الغني بن سعيد المصري إذا ذكر الدارقطني قال: أستاذي. وفي تاريخ بغداد قال القاضي أبو الطيب الطبري:"كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث وما رأيت حافظا ورد بغداد إلاّ مضى إليه وسلم له". يعني فسلم له التقدمة في الحفظ وعلو المنزلة في العلم.

وقال عبد الغني بن سعيد المصري:"أحسن الناس كلاما على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة: علي ابن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، وعلي بن عمر الدارقطني في وقته".

وقال ابن العماد في شذرات الذهب:"الحافظ الكبير شيخ الإسلام إليه النهاية في معرفة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت