بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ,الملك الحق المبين , والصلاة والسلام على أفضل الخلق أجمعين ,وخاتم الأنبياء المرسلين , ورحمة الله لكل العالمين , سيدنا محمد و علي آله وصحبه وسلم. ... وبعد
فإن لعلم أصول الفقه مكانة متميزة بين العلوم الإسلامية؛ لأنه يمثل كيفية تلقي أحكام الله تعالى وفهم خطابه , ويرسم المنهج الذي نفهم من خلاله الأحكام؛ ومن ثم يتيسر العمل والسير على منهج الله تعالى من خلاله؛ ولذلك يحظى بأنه أهم العلوم على الإطلاق بل العلوم كلها خدم له , وهو حاكم على الفقه والفقهاء , والمستند الشرعي والفقهي لهما على حد سواء , ولذا فإن مباحثه تتنوع لتشمل: الحاكم, والمحكوم به , والمحكوم فيه؛ ولذا كان البحث في الأدلة وحصرها وترتيبها وكيفية الاستفادة منها وبيان المستفيد من تلك الأدلة, كل ذلك من مباحثه. ومن المعلوم أن الأدلة التشريعية المتفق عليها تتنوع قرآنا وسنة وإجماعًا وقياسًا , كما تتنوع طرق دلالة السياق على المراد من حيث مراتبها وضوحًا وخفاءً من حيث كونها ألفاظا نصية, أو ظاهرة , ومن ناحية أخرى تختلف دلالة الألفاظ على معانيها بحسب المعنى الظاهر, أو المعنى الخفي المفهوم بالدلالة تصريحًا , أو تلويحًا أو بالمخالفة, يعني سواء أكان المعني الأول أو المعني الثاني؛ ومن ثم تمثل هذه الدلالة أهمية كبيرة في الدرس الأصولي والفقهي وكذلك عند اللغويين , وإن كان البحث عند الأوليين أي الأصوليين قد جاء معتمدا على القواعد اللغوية غالبا , لأنها كانت معروفة قبل الشرع وجاء الشرع فأنزل خطابه على أصولها وعُرف أهلها في التحاور والتخاطُب والفهم , وسوف نرى أثر ذلك في إنكار الأئمة ومنهم: ابن تيمية [1] على ابن حزم [2] عندما أنكر دلالة النص , وعدوا ذلك إنكارا لما يقضي به المنطق العقلي واللغوي معا. ولهذا فإن من الخطأ - منهجيا- دراسة أنواع الدلالة كمنهج أصولي من مناهج الاستنباط من نصوص الشريعة على أساس لغوي محض بل لابد من أن يقوم على البحث الأصولي باعتباره الأصل , ومادة البحث , ولعل ذلك هو السبب في صعوبة بحوث كثيرة ممن كتب في الأصول علي كثير ممن لا صلة لهم بعلم الأصول و لبعدها عن تقريب الصلة بين أصول الفقه وروح التشريع الإسلامي كما أن علم الأصول ليس علما لغويا محضا , وإنما يجب أن يوضع في الاعتبار الفرق بين البحث الأصولي والبحث اللغوي مع مراعاة التقارب بينهم؛ ِولهذا فإن الاحتكام إلى قواعد اللغة والوقوف عندها دون مراعاة القواعد الأصولية التي ترعي فلسفة التشريع ومقتضيات العدل والمصالح المعتبرة للحكم يؤدي في كثير من الأحيان إلى إنكار بعض الدلالات مثل إنكار ابن حزم لدلالة النص (مفهوم الموافقة) وإنكار الحنفية لمفهوم المخالفة (دليل الخطاب) باعتبار أن القيود التي خصت بالذكر في النص من وصف ,أو شرط , أو غاية قد ترد في النص بغير أغراض التشريع , ولو أنهم احتكموا إلى ما ينبغي أن تحتكم إليه المناهج الأصولية الشرعية
(1) - شيخ الإسلام ابن تيمية هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله النميرى الحرانى الدمشقى الحنبلى أبو العباسى تقى الدين تيمية الامام شيخ الاسلام ولد في حران وتحول به أبوه الى دمشق فنبغ واشتهر وطلب إلى مصر فقصدها ثم عاد إلى دمشق ومات معتقلا في قلعتها وله مؤلفات كثيرة جدا منها (الفتاوى الكبري) (وكتاب الإيمان) (ومنهاج السنة) . توفى سنة 728 هجرية موسوعة الأعلام - أوقاف مصر ج 1 ص 88
(2) - هو الإمام علي بن احمد بن سعيد بن حزم الظاهري ابو محمد عالم الأندلس في عصرة اصل من الفرس كانت لابن حزم الوزارة وتدبير المملكة فانصرف عنها إلى التأليف والعلم كان فقهيا حافظا علي يستنبط الإحكام من الكتاب والسنة علي طريقة أهل الظاهر بعيدا عن المصانعة حتى شبة لسانة بسيف الحجاج طاردة الملوك حتى توفي مبعدا عن بلدة وكان كثير التأليف ومزقت بعض كتبة بسبب معاداة كثير من الفقهاء ومن تصانيفة: المحلي في الفقه و الأحكام في أصول الأحكام )) و (( طوق الحمامة ) )في الأدب توفي سنة 456 هـ الأعلام للرزكلي 5/ 59 ويراجع: الأحكام لابن حزم ج7ص886