وهناك عدد أخرى من القصص التي تؤكد على الحرص الذي كان يتعامل في تجارته مع الناس ، وفي فهمه للنصوص ، وفي استنباطه للقواعد والاحكام ، وعلى الرغم من انه كان يكسب أرباحا طائلة ، فقد كان لايكنزالمال ، فهو ينفق أمواله على الفقراءمن أصدقائه وتلاميذه
أستقبلت الكوفه أبو حنيفة وكانت آنذاك حاضرة من حواضر العلم ، تموج بحلقات الفقه والحديث والقراءات واللغه والعلوم ، وتمتلى مساجدها بشيوخ العلم وأئمته ، وفي هذه المدينه قضى أبوحنيفة معظم حياته متعلما وعالما ، وتردد في صباه الباكر بعد ان حفظ القرآن على هذه الحلقات ، لكنه كان منصرفا الى مهنته التجاره مع ابيه ، فلما رأه عامر الشعبي الفقيه ولمح ما فيه مخايل الذكاء ورجاحه العقل أوصاه بمجالسة العلماء والنظر في العلم ، فأستجاب لرغبته وانصرف بهمته الى حلقات الدرس وما اكثرها في الكوفه ، فروى الحديث ودرس اللغه والادب ، واتجه الى دراسة علم الكلام حتى برع فيه براعه مكنته من مجادلة أصحاب الفرق الختلفه ومحاجاتهم في بعض مسائل العقيدة ، ثم انصرف الى الفقه ولزم حماد بن ابي سليمان ، وطالت ملازمته له حتى بلغت ثمانية عشر عاما ، وانهى اليه الفقه وتقلد زعامة مدرسة الرأي من بعد شيخه ، والتف حوله الراغبون في الفقه ، برز منهم تلامذه برره على رأسهم أبو يوسف ، ومحمد ، وزفر ، وعملوا معه على تكوين المذهب الحنفي .
ان الظمأ الى المعرفة جعله يرتاد حلقات العلماء في مسجد الكوفة ، وكأن بعضها يتدارس أصول العقائد ( علم الكلام ) ، وبعضها للاحاديث النبويه ، وبعضها للفقه واكثرها للقرآن الكريم . ثم مضى ينشد العلم في حلقات البصرة . وبهرته حلقة علماء الكلام ، لما كان يثور فيها من جدل مستقر يرضي فتوته . ولزم أهل الكلام زمنا ثم عدل عنهم الى الحلقات الاخرى .