بعد ذلك أرسلت قريش أبو سفيان بن حرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ليفاوضه وليطلب منه مد الهدنة والصلح الذي عقد في الحديبية لكنه عاد بخفي حنين فلم يستجب له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقي أبو سفيان بن حرب في المدينة أشد ما يلاقيه المرء من المذلة، فقد ذهل إلى أبى بكر يتوسط له عند النبي فأبى، فذهب إلى عمر فأبى وكذلك عثمان، فذهب إلى على فأبى فاستجار بفاطمة الزهراء رضي الله عنها فأبت فرأى الحسن يلعب فقال ابنك هذا يجيرني فأبت ذلك، فتوجه إلى ابنته أم المؤمنين أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبت وعاملته كما يجب أن يعامل الكافر ولم تدفعها قرابته لها من محاباته والتوسط له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الموقف من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته وزوجته أم حبيبة وابنته فاطمة رضي الله عنهم جميعا لهو موقف جدير بأن نقف عنده، ونتأمله، لنرى كيف جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من دولته الناشئة مكانة ومنزلة عند الجميع يجب أن يعرفوا قدرها ويعطوها حقها، فلم يتنازل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفرط في ذلك الجرم البشع الذي ارتكبه سفهاء قريش وبنو بكر، فالدولة القوية التي تهابها الدول الأخرى هي التي تتخذ موقفا قويا حازما حيال التعرض لرعاياها أو لحدودها أو لمصالحها وحلفائها، أما الدولة التي لا يكون لها رد فعل قوى حيال هذه الأمور فهي دولة ضعيفة تتلاعب بها الدول الأخرى كما يتلاعب الصبيان بالكرة، وكذلك فصائل المقاومة فتلك التي تدافع عن شعبها في حالة العدوان ولا تفرط أبدا في حقه يهابها عدوها ويحسب له ألف حساب أما التي تظهر العجز والضعف فإنها تتلقى الكثير من الضربات القاضية ويستخف بها عدوها.