أحمد المنسي
حاولت أن أقف على بعض معاني رمضان , لعلي أدرك شيئا من عظمته , فكلما رصدت معنى برز معنى آخر, وكلما أحسست بنفحة من نفحاته غمرتني نفحات , لا أعرف من أين ابدأ وإلى أين أنتهي , غير أنها ساعة أسبح فيها بروحي وعقلي في بحر من النور والخير والجمال, في بحر من عطاء الله و من هبة الله , ومن كرم الله , إنه رمضان.
مع إثبات رؤية الهلال وإعلانها , كان ذلك هو التنبيه الإنساني العام لفروض الرحمة والإنسانية والبر , وكأني بصوت السماء ينادي في الكون أن أبواب الجنة فتحت , وأبواب النار أغلقت , والشياطين صفدت وغلت.
وهذا المشهد جدير بالتأمل , فإذا كان الفتح فتح الله , كان أجمل ما يكون الفتح , وإذا كان الإغلاق إغلاق الله , كان أقوي ما يكون الإغلاق , وإذا صفد الله الشياطين , كان التصفيد أشد ما يكون وأحكم , إن هذا لرمضان وحده.
عرس في الأرض وعرس في السماء وعرس في قلوب التواقين إلى رحمة الله ورضوانه ومغفرته ,عام مضى من الحرب والسجال بين الإنسان وشيطانه ونفسه ونزواته وشهواته, عام من التعب والضيق والمشقة , حتى إذا جاء رمضان , قال الله للعبد استرح فقد فتحنا لك أبواب الجنة, وأغلقنا لك أبواب النار, وصفدنا لك الشياطين , أما نفسك التي منها الشهوات , فقد أفرغنا بطنك بالصوم لتهدأ وتطمئن وترتقي, فخذ من ذلك كله فرصتك ونصيب روحك.
إن نكبة الفكر ونكبة النفس ونكبة الإنسانية كلها تأتي من البطن , ذلك لأن الناس لا يختلفون في الإنسانية بعقولهم ولا بأنسابهم ولا بمراتبهم ولا بما ملكوا , وإنما يختلفون ببطونهم وأحكام هذه البطن على العقل والعاطفة.