فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 4

يضيف الصوم بعدا مختلفا في العبادات , يفرض مراقبة الله لإتمامه , فجميع العبادات تؤدى أمام الناس أو من خلالهم , إلا الصوم , فإنك لا تستطيع أن تقول لأحد من الناس انظر إلى صومي أو اسمعه فأنا صائم , وإن ذلك يربي في الناس ويعودهم على مراقبة الله في يسر وسهولة , إذ أنه حالة سلبية يمتنع فيها العبد عن كل ما يتعلق بالبطن وأشباه البطن , وهو السبيل الوحيد الذي يعطي بعض أسباب الصدق والإخلاص بشكل عملي ,أليست الدعوة التي لا ترد للعبد عند فطره , بعضا من جزاءه على مراقبة الله وإخلاصه وصبره؟ وشفاعة الصوم له يوم القيامة , وقراءته للقرآن , وقيام الليل , وليلة القدر التي تتفرد بعطاء خاص من الله , وباب في الجنة يدخل منه الصائمون يقال له (الريان) ؟ ثم يقول الله عز وجل في الصوم (فإنه لي وأنا أجزي به) , ويأتي التحذير النبوي الشديد من أن من يفطر يوما في رمضان بغير عذر شرعي , لا يكفره صوم الدهر كله , فتجد كل الناس على اختلاف درجات إيمانهم صائمين , لا يستطيع أحدهم - وإن خلا بنفسه - أن يأخذ شيئا من حظ البطن , وإن كانت شربة ماء.

لكأن الله يريد أن يدخل العبد الجنة في رمضان - ولو جرا - فأي معنى أعظم من هذا؟

والله لو عم هذا الصوم الإسلامي أهل الأرض جميعا لآل معناه أن يكون إجماعا من الإنسانية كلها لتطهير العالم من رذائله وفساده , ومحق الأثرة والبخل فيه , فيهبط كل رجل وامرأة إلى اعماق نفسه يبحث في معنى الفقر ومعنى الحاجة , وليفهم في طبيعة جسمه معنى الصبر والثبات والإرادة, ليبلغ من ذلك وبه أرقى معاني الإخاء والحرية والمساواة.

الحرية الحق , التي يخلص فيها من رق الآفات النفسية والشهوات الحسية , تلك الحرية التي تكفل له بعد رمضان ارتقاء في النفس وعافية في البدن وروعة في الأخلاق , وذلك كله من أسباب فرح العبد بالعيد , وهو من أسرار عظمة رمضان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت