فهرس الكتاب
قال رحمه الله: (ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها.]
أقول: لم يذكر تعليلا لوجه البلاغة الذي رآه في هذا؛ و ماأراه سببا في اختياره هوورود التعبير باسم الفاعل الذي هو بمعنى الفعل المضارع المفيد للتجددوالاستمرارو منضمًاإليه اقترانه بالباء. حيث إن الفعل المضارع لا تقترن به الباء؛ فهذا الأسلوب جمع بين دخول الباء والمضارعية. فكان أبلغ بالتعبير عن المكث في النار أعاذنا الله منها. وصياغة الجملة بالفعل تدل على حدوثه من الفاعل فقط. أما صياغتها باسم الفاعل فهي تدل على الحدوث والاتصاف؛ فحين أقول: قام زيد فالجملة تفيد وقوع الحدث ,وعندما أقول زيد قائم فهي تفيد الحدوث والاتصاف أي أنَّ زيدًا متصف بالقيام. فقوله تعالى: {بخارجين} أفاد ـ والله أعلم ـ اتصافهم بالخلود. ومثل هذا الفرقُ بين قولك: قدم الجيش وقولك: الجيش قادم.
{لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (28) سورة المائدة
فإن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله:
(لَئِنْ بَسَطْتَ )
(ما أَنَا بِباسِطٍ) ؟ قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع. ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي.
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} (89) سورة الأنعام
والباء في بِها صلة كافرين [أي أنَّ الجاروالمجرور متعلقان بـ كافرين] . وفي بِكافِرِينَ تأكيد النفي.
{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} (25) سورة مريم
والباء في بِجِذْعِ النَّخْلَةِ صلة للتأكيد.
{وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} (16) سورة الإنفطار
قال عنها: [وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ] كقوله: [وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها]
3ـ [الباء] تفسير القرطبي