وشاهد -كذلك- أهل الخير وهم يسهمون في تقديم الخدمات للحجاج بشتى صنوفها، عن طريق المبرات والجمعيات الخيرية التي تهدي الوجبات الصحية بمئات الآلاف في المشاعر، وتقدم المشروبات في وقت الحاجة إليها، بل تقدم الكتب والمطبوعات بالآلاف لرفع مستوى الوعي الشرعي. فجزى الله الجميع كل خير عن كل حجاج بيت الله.
لقد كان حج هذا العام منظمًا حقًا.. سادت فيه صور كثيرة من الإيثار والمحبة بين المسلمين، وازدادت فيه دلالات الفقه والعلم بالأحكام الشرعية، والحرص على الإفادة من الوقت كله في طاعة الله تعالى. وذلك تحقيق واقعي لأهم حِكَم الحج، وهي أنه يربطنا بقدوتنا العظمى محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، الذي قال: (( خذوا عني مناسككم ) )، فالمسلم الذي راح يسأل ويتحرى أن يكون حجهُ كلُّه وفق الهدي النبوي الكريم، يرجو ألا يحيد عنه، رجاء قبوله، ينبغي له كذلك أن يتأسى به في كل حياته بعد ذلك، وأن يسأل كذلك عن كل ما يخص دقائق حياته ومعاملاته، فالله تعالى يقول في محكم التنزيل: «قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» (الأعراف: 162، 163) . إنها آية عظيمة تضع المسلم أمام حقيقة ربما غفل عنها في خضم الحياة، وهي أن حياة الإنسان كلَّها لله، بل ومماته يجب أن يكون وفق نهجه وهديه كما هو شأن صلاته وعبادته المحضة، يتقفى في ذلك كلِّه أثر الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، فلا يستعير منهجًا لماله من جهة، ومنهجًا لأسرته من جهة ثانية، ومنهجًا لفكره من جهة ثالثة، ولا يدع لله إلا ركعات ربما لا يدري ماذا قال فيها، وصيامًا فقد حقيقته، وحجًا جهل أسراره، فعاشه بجسده ولم يعشه بقلبه، فإن «لا إله إلا الله» منهج متكامل للحياة كلها بلا استثناء. يقول عمر أبو ريشة بعد قضاء حجه مصوِّرًا مَن يعيش دينه بظواهره لا بحِكَمه: