الصفحة 5 من 55

فقد حرص على إبراز سائر وجهات النظر الثابتة في مسألة من مسائل علوم القرآن؛ معتمدًا في ذلك على استقصاء مختلف الآراء من مصادر عربية وأجنبية شهيرة ومغمورة، مخطوطة ومطبوعة على حد سواء، كما أنه اتبع في عملية الاستقصاء والاستقراء، ثم الاستدلال منهجًا أكاديميا صارمًا لم يكن معهودا من قبل، وبذلك أمكن القول بأن نولدكه قد وضع منهجًا جديدًا في الدراسات القرآنية. لعل أبرز معالمه الرجوع مباشرة إلى المصنفات العربية اللصيقة بمجال القرآنيات، في الوقت الذي كان فيه المنهج الاستشراقي القديم يخلط بين شيء قليل مما هو مبثوث في المصادر، وما كانت تمليه تخيلات وتكهنات المستشرقين.

بيد أن الحقيقة المتمثلة في استعمال نولدكه لأدوات بحث جديدة، ولمنهج صارم في الدراسة والتحليل لا يمكنها أن تحجبنا عن استبصار حقائق أخرى تتمثل في سوء توظيف تلك الأدوات البحثية على نحو مبيَّت، فضلا عن القصور والخلل في المنهج المطروق.

ويمكن اعتبار كتاب نولدكه منعطفا بارزا في سياق البحث الاستشراقي في الدراسات القرآنية، ومما زاد تكريس هذا الأمر اهتمامُ المستشرقين المتأخرين كافة بالكتاب، واتكاؤهم عليه في أبحاثهم ودراساتهم، حتى إنه لا يكاد يخلو مؤلف في الموضوع من الاعتماد على الكتاب ومتابعة صاحبه فيما ذهب إليه من آراء ومواقف [1] ، ولا يمكن أن ننسى بهذا الصدد دور مدرسة نولدكه الألمانية في حقل القرآنيات، وهي مدرسة اشتهرت وَبزَّت غيرها من المدارس الأوروبية؛ حيث برز فيها ثلاثة رواد رابعهم شيخهم نولدكه الذي عهد إلى هؤلاء التلامذة شفالي Schwally، وأوتو برتزل O.Pretzel، وبرجشتراسر Bergstrasser

(1) راجع على سبيل المثال: مادة (( Quran ) )في دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية في طبعتها الثانية (5/ 405) وكتاب بلاشير R.Blachere مدخل إلى القرآن الكريم Introduction au Coran وكتاب وانسبروه: Wansbrough دراسات قرآنية: Quranic Studies وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت