وسلم- أو سنته أو حديث عمر أو نحوه فاكتبه لي، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء «. وأورد الإمام البخاري هذا الخبر في [صحيحه] معلقا.
ومن أوائل الدواعي المعبّر عنها والدوافع المنهجية الحاثّة على تدوين الفقه الإسلامي عموما والفقه المالكي خصوصا تدوينا منهجيا لتقريبه من المتفقهة:
لجوء الخليفة أبي جعفر المنصور (ت158هـ) وقيل بل الرشيد (ت193هـ) إلى الإمام مالك في موسم الحج طالبا منه تأليف كتاب في الفقه يجمع الشتات وينظم التأليف بمعايير علمية حدّدها له قائلا:» يا أبا عبد الله ضع الفقه ودوّن منه كتبا وتجنّب شدائد عبد الله بن عمر، ورخص عبد الله بن عباس، وشوارد عبد الله بن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور، وما اجتمع إليه الأئمة والصحابة، لتحمل الناس إن شاء الله على عملك، وكتبك، ونبثها في الأمصار ونعهد إليهم ألا يخالفوها « [1] .
ولا بأس أن أعرض فيما يلي عرضا وصفيا تحليليا نقديا للبواعث التي دفعت الفقهاء المالكيين -بعد هذه المرحلة- إلى تقريب الفقه الإسلامي من المتفقهة والتجديد فيه؛ فضلا عن الأساليب التي اعتمدوها في الصياغة.
أولا: أسلوب الاختصار: اعتمد بعض الفقهاء أسلوب صياغة الفقه الإسلامي في شكل مختصرات، وغرضهم من وراء ذلك هو تسهيل استحضار مسائل الفقه. ذلك أن المطوّلات على غزارة الفوائد التي تحتويها، لاحظ عليها هؤلاء مواطن خلل متعددة على رأسها التكرار.
فهذا أبو محمد ابن شاس (ت610هـ) صاحب [عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة] يغيضه أن بعض متفقهة عصره أو بعض أصحاب المكانات في المجتمع المالكي الذي كان ينتمي إليه يتمذهبون بمذهب غير المالكية طلبا للتميّز.
قال تمهيدا لمؤلَّفه:» أما بعد، فهذا كتاب بعثني على جمعه في مذهب عالم المدينة، إمام دار الهجرة ... ما رأيت عليه كثيرا من المنتسبين إليه في زماننا من ترك الاشتغال به والإقبال على غيره، حتى لقد صار ذلك دأب كثير ممن يرى نفسه، أو يُرى من المتميّزين « [2] .
هذه هي الحاجة التي دعت صاحب [الجواهر] إلى أن يؤلف كتابه المذكور فما الحاجة التي دعت عصرييه -من المنتسبين للمذهب المالكي- يقبلون على غيره؟، يورد صاحبُنا هذه الحاجة في نفس السياق فيقول:
(1) الفقه الإسلامي آفاقه وتطوره: الدكتور عباس حسني محمد. ص.235.
(2) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة. جلال الدين بن شاس: 1/ 3.