الصفحة 134 من 439

وقد يدور سؤال بخلد القارئ هو: كيف نجزم بنسبة هذه التأويلات كلها إلى الباطنية مع وجود التناقض والاختلاف بين بعض المعانى التى نقلت عنهم للفظ الواحد؟ أليس هذا دليلًًا على عدم صحة كل ما يُنسب إليهم؟ والحق أن السؤال وارد، ولكنه مدفوع بما ذكره الغزالى من أنّ"سر هذا الاضطراب راجع إلى أنهم كانوا لا يخاطبون الخلق بمسلك واحد، بل غرضهم الاستتباع والاحتيال، فلذلك تختلف كلمتهم ويتفاوت نقل المذهب عنهم [1] ".

ويرجع ذلك أيضًا إلى أن باب التأويل واسع ولا ضوابط للغلاة في تأويلاتهم، فمن النادر أن يتفقوا في تأويلاتهم للشيئ الواحد، مما يدل على أن كل واحد يؤول بما شاء له الهوى، وحسب انحراف مزاجه أو اعتداله. لذا وضع علماء الإسلام ضوابط للتاويل المقبول، كي لا تتخذ المذاهب الضالة والتيارات الهدامة من التأويل سندًا ووسيلة لخدمة أغراضها، ولبث الفوضى الفكرية، والإجتماعية، والدينية.

هذا .. وقد تولدت في العصور الحديثة فرق أخرى من الباطنية كالبابية (أو البهائية) والقاديانية وكل منهما تؤوِّل القرآن تأويلًا يوافق معتقداتها.

فائدة:

قرر علماء الشريعة أن الأصل عدم التأويل، وأن التأويل خلاف الأصل، ولا يعدل عن الأصل إلى خلافه إلا بدليل. وعلى هدي من هذا الأصل، وحفاظا على نصوص الشريعة من نزعات الهوى، وضعوا شروطا للتأويل، ولم يعتبروا التأويل صحيحًا مقبولًا إلا بتوفر هذه الشروط، وإلا فهو تأويل فاسد مردود. ومن أهم هذه الشروط، ما يلي [2] :

أولًا: أن يكون المتأول ممن توفرت فيه شروط الاجتهاد، عالما بأسباب التأويل ومجالاته، ملمًا بمدلولات الألفاظ، ومقاصدها، عالمًا بروح الشريعة الإسلامية وأدلتها، وله دراية بأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ.، فإن فقد هذا الشرط في المؤول، لم يكن أهلًا للتأويل.

(1) - أنظر: التفسير والمفسرون (2/ 185) ,والغزالي/ فضائح الباطنية ص:8 وانظر ص:13,ود. سليمان السلومي/ أصول الإسماعيلية ص:478 - 482 وأيضًا ص:649 - 650

(2) -انظر: الشاطبي/الموافقات، (4/ 105 - 118) . ود. محمد سلام مدكور/ المدخل للفقه الإسلامي، ص 286 - 291. - د. محمد أديب الصالح: تفسير النصوص (1/ 381) .

د. محمد فتحي الدريني/ المناهج الأصولية، ص 76 - 77، والشوكاني/ إرشاد الفحول ص 177

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت