الباب الثالث - الفصل السابع
العَقْلُ فيِ القُرْآنِ الكَرِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي أوجدنا من العدم، وجعل أمتنا خير الأمم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ندب أصحاب العقول إلى إعمال عقولهم، وحثهم على التفكير في عظيم مخلوقاته التي تحيط بهم.
والصلاة والسلام على نبينا محمد أفضل من عقل وفهم، وعلى آله و أصحابه والتابعين لهم من الأمم. وبعد:
فإن ديننا الإسلامي لم يحجر على العقول أو يهملها بل رفع من شأنها، وأعلى من قدرها وجعلها مناط التكليف وفرق بين الذين يعقلون والذين لا يعقلون.
والعقل له منزلة في الإسلام لا تنكر، ومجالاته فيه كثيرة وجديرة بأن تذكر. فالعقل محله القلب بدليل قوله - سبحانه وتعالى - {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} " [1] "في هذه الآية يحث المكذبين من كفار قريش والعرب على السير في البلاد ليقفوا على آثار الهالكين، فلعل ذلك يكسبهم حياة جديدة في تفكيرهم، ونظرهم فتكون لهم قلوب حية واعية يعقلون بها خطابنا إليهم، ونحن ندعوهم إلى نجاتهم وسعادتهم، أو تكون لهم آذان يسمعون بها نداء النصح والخير الذي نوجهه إليهم بواسطة كتابنا ورسولنا، فالعيون المبصرة بدون قلوب واعية وآذان صاغية غير نافعة" [2] ".
ومما يدل أيضا على أن العقل محله القلب قوله - سبحانه وتعالى - {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءً ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم} " [3] "فسيدنا إبراهيم عليه السلام يؤمن بقلبه أن الله يحيي الموتى، وإيمانه بذلك عالٍ جدًا فهو على علم يقيني بذلك لا يدانيه شك في قدرة الله عليه، لكنه أراد أن يرتقي إلى درجة
(1) سورة الحج آية (46)
(2) أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، وبهامشه (نهر الخير على أيسر التفاسير) . أبو بكر جابر الجزائري. (المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكمة. الطبعة الرابعة 1420 هـ - 2000 م) .
(3) سورة البقرة آية (260) .