فهرس الكتاب
[ولم يقل (في الأناجيل الثلاثة المتشابهة, متى, مرقس, لوقا) انه هو والأب اله واحد أو يسوي نفسه به, فقد سأل أتباعه: لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس احد صالحًا إلا واحد وهو الله. وقال وهو يصلي في جثسماني: ليكن لا ما أريد أنا, بل ما تريد أنت)] [1] .
يكاد هذا القول يتطابق مع ما ذكره القرآن عن المسيح ورسالته وأتباعه بل لا أبالغ إذا قلت أن الإنسان المسلم وهو يقرأه يعتقد انه يقرأ في التعاليم الإسلامية سواء من القرآن أو السنة وهذا ما يزيد من حيرة المسلم. فلماذا إذا كل هذا الجدال والأحاديث عن تقارب الأديان وحوارها طالما أنها تكاد تتفق على المبادئ والقيم. جواب هذا التساؤل يتضح عندما نتعرف على لاهوت بولس وأفكاره وتعاليمه.[انشأ بولس لاهوتا لا نجد له إلا أسانيد غامضة اشد الغموض في أقوال المسيح. وكانت العوامل التي أوحت إليه بالأسس التي قام عليها ذلك اللاهوت هو انقباض نفسه, وندمه, والصورة التي استحال إليها المسيح في خياله, ولعله قد تأثر بنبذ الأفلاطونية والرواقية للمادة والجسم واعتبارهما شرا وخبثا, ولعله تذّكر السنّة اليهودية والوثنية سنّة الضحية الفدائية للتكفير عن خطايا الناس. أما هذه الأسس فأهمها إن كل ابن أنثى يرث خطيئة آدم, وان لاشيء ينجيه من العذاب الأبدي إلا موت ابن الله ليكفر بموته عن خطيئته. وتلك فكرة كانت أكثر قبولا لدى الوثنيين منها لدى اليهود. ولقد كانت مصة, وآسية الصغرى وبلاد اليونان تؤمن بالآلهة من زمن بعيد - تؤمن بأوزوريس, وأتيس وديونشس - التي ماتت لتفتدي بموتها بني الإنسان, وكان ألقاب مثل سوتر (المنقذ) واليوتريوس (المنجي) تطلق على هذه الآلهة. وكان لفظ كريوس (رب) الذي سمّى به بولس المسيح هو اللفظ الذي تطلقه الطقوس اليونانية-السورية على ديونيش الميت المفتدي, ولم يكن في وسع غير اليهود من أهل أنطاكية وسواها من المدن اليونانية, الذين لم يعرفوا عيسى بجسمه, أن يؤمنوا به إلا كما امنوا بآلهتهم المنقذين, ولهذا ناداهم بولس بقوله: (هو ذا سر أقوله لكم) .
وأضاف بولس إلى هذا اللاهوت الشعبي المؤسس بعض آراء صوفية غامضة كانت قد ذاعت بين الناس بعد انتشار سفر الحكمة, وفلسفة فليمون. من ذلك قول بولس إن المسيح هو (حكمة الله) و (ابن الله الأول) بكر كل خليقة فإنه فيه خلق الكل الكل به وله خلق, الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل, وليس هو المسيح المنتظر (المسيا) اليهودي, الذي سينجّي إسرائيل من الأسر, بل هو الكلمة الذي سينجّي الناس كلهم بموته. وقد استطاع بولس بهذه التفسيرات كلها أن يغض النظر عن حياة يسوع الواقعية وعن أقواله التي لم يسمعها منه مباشرة, واستطاع بذلك أن يقف على قدم المساواة مع الرسل الأولين. الذين لم يكونوا يجارونه في آرائه الميتافيزيقية. لقد كان في وسعه أن يخلع على حياة المسيح وعلى حياة الإنسان نفسه أدوارا عليا في مسرحية فخمة تشمل النفوس على بكرة أبيها والأبدية بأجمعها. وكان في وسعه فوق هذا أن يجيب عن الأسئلة المربكة, أسئلة الذين قالوا انه إذا كان المسيح إلها حقًا فلم رضى أن يقتل, فقال: إن المسيح قد قتل ليفتدي بموته العالم الذي استحوذ عليه الشيطان بسبب خطيئة آدم. فكان لابد أن يموت ليحطم أغلال الموت, ويفتح أبواب السماء لكل من نالوا رضوان الله.
ويقول بولس: إن عاملين اثنين يقرران من سوف ينجيهم موت المسيح وهما اختيار الله والإيمان المصحوب بالتواضع. فالله يختار من بداية العالم إلى نهايته من ينالون نعمته ورضوانه ومن تحل بهم نقمته. مع هذا فقد نشط بولس في تقوية إيمان الناس حتى يكون إيمانهم هذا سبيلا إلى نيل رضاء الله. وقال: إن الروح لا تستطيع أن تحس بذلك التبدل العميق الذي يخلق صاحبها خلقا جديدا, ويوحد بين المؤمن وبين المسيح, ويمكّنه من الاشتراك في ثمار موته. ويقول بولس إن الأعمال الطيبة, وإطاعة كل ما جاء في أوامر الشريعة اليهودية البالغ عددها 613 أمرا, لا يكفيان للنجاة, لان هذه الأعمال وتلك الطاعة لا تستطيع أن تبدل طبيعة الإنسان أو أن تطهر النفس من الذنوب. لقد اختتم عهد الناموس بموت المسيح, ووجب ألا يكون الآن يهودي ويوناني, أو عبد وحر, أو ذكر وأنثى (لأنكم جميعا واحد في المسيح) ] [2] .
الآن تمت الإجابة على التساؤلات وتم تجميع أجزاء اللغز, فالخلاف ليس بين الإسلام وتعاليم وأتباع المسيح أو الناصريين وبالتعبير القرآني (النصارى) فالقرآن لم يطلق مرة واحدة على أتباع المسيح اسم المسيحيين. فالخلاف هو بين الإسلام وتعاليم وأفكار بولس أو لاهوت مسيحية الأمم. فبعد تدمير الهيكل وتشتت كنيسة أورشليم وطلب بولس من أتباعه القطيعة مع الكنيسة الأم استجاب له أتباعه لأنه الباب الوحيد لقبولهم في الكنيسة وكان عليهم الإيمان بلاهوته وتعاليمه البديلة لتعاليم كنيسة أورشليم المستمدة من المسيح وهنا ظهرت مشاكل دعوة الأمم فبعد ظهور مشكلة تطبيق الناموس ومساواة اليهود واليونانيين أو الوثنيين. ظهرت باقي المشاكل فالوثنيين لا يعرفون الله وكان عليهم الإيمان أولا بهو فهل يكون إيمانهم كإيمان اليهود بأن الله واحد ومنزه عن المعرفة كما أمنت كنيسة أورشليم. وبسبب محاولة البعد عن كل ما هو مرتبط بكنيسة أورشليم وإيجاد تعريفه الخاص أصبح تعريف الله عند بولس مرتبط أكثر بالفكر اليوناني الوثني وزاد على ذلك محاولة حل معضلة
(1) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.
(2) قيصر والمسيح - قصة الحضارة - ول ديورنت.