فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 116

وقريب من هذا ما يحدثا به القرآن الكريم عن ذي القرنين حينما ملك الدنيا كلها وبلغ مغرب الشمس وبلغ مطلعها حتى بلغ بين السدين ووجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا ويشكون له فساد يأجوج ومأجوج ويعرضون عليه خرجا وأجرا ومكافأة تتناسب مع عظم العمل الذي سيقوم به وهو أن يبني لهم سدًا يحول بينهم وبين هؤلاء المفسدين في الأرض وقد علموا أنه خبير في بناء السدود ولكنه يرفض الأجر الذي عرض عليه منهم ويقول لهم إن تمكين الله لي في حرفتي ومهنتي وخبرتي في عملي أمر لازم وواجب علي كي أقوم بشكر النعمة التي منَ الله بها على إذ أمكنني الله من عملي انفع به البشر فيلزمني شكرُ تلك النعمة ويستعين بهم في جمع قطع الحديد الخالص ويضعه في صورة بناء ويضع بين كل طبقتين خشبًا وفحما حتى إذا ساوى بناءه بين الجبلين قال لهم أنفخوا حتى إذا انصهر الحديد بالنار فيقول لهم أتوني نحاسًا مذابًا فيصير عمله كتله واحدة وهو من السماكة بحيث لا يستطيع المفسدين نقبه وهو من الملاسة بحيث لا يستطيع الاعداء علوه واستظهاره ولما تم له عمله الذي قدمه للبشرية فلا يغتر ولا يتيه ولا يزهو بل يعترف لله بالنعمة ويقوم بالشكر لله ان مكنه من فضل ينفع به الآخرين فيهتف قائلًا (( هذا من فضل ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ) ).

وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح الأعظم وهو يرى أم القرى وهي تسلم قيادها إلى الله رب العالمين وينظر دولة الأصنام وهي تتهاوى وتلك الأوثان التي عبدت من دون الله وهي تسقط مهشمة على وجوهها ويرى الشرك وهي تتدمر أمام جند الله يدخل مكة منحني الرأس حتى مست لحيته عنق راحلته خضوعا لله رب العالمين وهو يهتف من أعماق نفسه: لا اله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزام وحده [ لا اله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ] وقل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت