الصفحة 24 من 1472

الأزمان التي وضعت فيها هذه الكتب، فقديمها أقل رواية للخوارق من متأخرها، وما ورد من الخوارق في الكتب القديمة أقل بعدا عن مقتضى العقل مما ورد في كتب المتأخرين. فهذه سيرة ابن هشام أو قل ابن إسحاق أقدم السير المعروفة اليوم تغفل كثيرا عما ذكره أبو الفداء في تأريخه وما ذكره القاضي عياض في"الشفاء"وعن جميع كتب المتأخرين تقريبا. فلا بد للباحث من أن يقبل لنفسه مقياسا يعرض عليه ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه، فما صدقه هذا المقياس أقره وأقر به وقربه، وما لم يصدقه فلم يورده بل يرده" (1) . وهناك سبب آخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف ونقده نقدا علميا دقيقا، هو أن أقدمها كتب بعد وفاة النبي بمائة سنة أو أكثر، وبعد أن"

(1) مثلا: إن قصة الغرانيق التي تذهب إلى أن النبي لما ضاق ذرعا بسادات قريش فتلا عليهم سورة النجم حتى إذا بلغ فيها إلى قوله سبحانه * (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى) * أضاف إليها * (تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى) * ثم أتم السورة فسجد وسجد المسلمون والمشركون ! وقد رواها ابن إسحاق ثم قال: إنها من وضع الزنادقة. وذكرها ابن كثير في كتابه"البداية والنهاية"فقال"ذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها في مواضعها، إلا أن أصل القصة في الصحيح، ثم ذكر حديثا عن البخاري في أمرها وأردفه بقوله"انفرد به البخاري دون مسلم". أما الذي يتخذ عصمة الرسول في تبليغ الرسالة مقياسا للأخذ والرد، فلا يتردد في نفي القصة من أساسها، بل يتفق مع ابن إسحاق في أنها من وضع الزنادقة، ويكتفي في ردها بما فيها من نقض ما للرسول من عصمة في تبليغ رسالة ربه، كما تقتضي ذلك قواعد النقد العلمي، كما فعل هيكل في كتابه: 48 و 161 - 147. (*) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت