فهرس الكتاب
ز- وكل تفسير للظواهر النفسية أو الاجتماعية … الخ بأسباب خارج هذا الإطار لا يُعتبر تفسيرًا علميًا، أي أن التفسير العلمي هو بالضرورة تفسير إلحادي ، حتى أن كلمة العلم أصبحت في العالم كله تقريبًا عَلَمًا على هذا التصور الإلحادي للعلم ، ولهذا أمكنت المقابلة بين العلم والدين.
هذه الفلسفة الإلحادية تمثل كما قلت إطار الفكر الغربي كله ، بما في ذلك الحقائق العلمية ، فحتى هذه توضع داخل هذا الإطار ومن ثم ينظر إليها من خلاله ، وتفسر تفسيرًا يتناسب معه ، ولا يستنتج منها إلا النتائج التي توافقه ، إن كثيرًا من الناس يعتقدون أن الحقائق الجزئية المشهودة هي وحدها المهمة وأن لها الغلبة على التصورات الفلسفية ، ولكن الحقيقة أن الإطار التصوري الخاطئ يؤثر على نظرة الإنسان إلى الحقائق الجزئية ، ويحجب عنه مدلولاتها الحقيقية .
(ولقد أتوا على القريةِ التي أُمْطِرت مطَرَ السَّوءِ أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجُون نُشُورًا) [الفرقان:40]
أفلم يكونوا يرونها ؟ بل كانوا يرونها ، وكيف لا يرى الإنسان بلدًا كاملًا وهو يمر عليه ذاهبا وآيبًا؟ ولكنهم لم يستنتجوا من رؤيتهم لها العبرة التي ينبغي أن تُستخلص لإن تصورهم المُنكِر للبعث يمنعهم من هذا الاستنتاج ، ويقف بهم عند حدود الظواهر .
(يعلمون ظاهرًا من الحياةِ الدنيا وهم عن الآخرةِ هم غافلون) [الروم:7] .
المثقفون في الغرب كله بشطريه - إلا فئة قليلة - متأثرون على درجات متفاوتة بهذه الفلسفة الإلهية ، فمنهم من يقبلها قبلاو كاملا ويعلن كفره بالله وبالدين في صراحة ، ومنهم من يعتبرها منهجا علميا ينتهجه إذا دخل معمله أو كتب بحثه ، أو ناقش زملاءه ، ثم يخلعه إذا ذهب لكنيسته أو بيعته ، ومنهم من يقبله حقيقة ولكنه ينتمى إلى الدين اسماَ لأنه يفسر كل المفاهيم الدينية تفسيراَ لا يخرجُ عن هذا الإطار .
أنا لا أُنكِر أن من المفكرين الغربيين من ينكر الفلسفة المادية وينتقدها ، ولكني أقول ما كل من ينكر الفسلفة المادية فهو مؤمن بل إن من أشد ا'داء الفلسفة المادية قوم ملحدون ، والذين ينكرونها على أساس ديني ينتمون إلى أديان شركية خرافية.
هذه هي أهم مكونات الحضارة الغربية … فماذا نأخذ من هذه الحضارة وماذا ندع ؟
يرى فريق من المثقفين في العالم الإسلامي - كما رأينا من قبل- أننا ينبغي أن نأخذ هذه الحضارة كلها بما في ذلك إطارها الفلسفي ، ونطرح كل ما خالفها من دين وتراث وعادات وتقاليد، لماذا ؟ لأن إطارها الفسلفي هو الذي يمثل فلسفة العصر ، لا يمعنى أن التصور السائد بين جمهرة المشتغلين في الغرب بالعلوم الطبيعية أو البشرية وفلسفتها ، فذلك أمر هين وقد يكون حقاَ ، ولكن بمعنى أنها التصور الذي يقتضيه العصر والذي يعتبر متخلفا عن عصره كل من لا يقول به .
ولكن أصحيح أن هذا التصور الإلحادي لازمة العصر ؟
إن هذا التصور ليس جديداَ وإذا ثبت أنه ليس جديداَ فقد ثبت أنه ليس مما أنتجه عصرنا ، وإنما هو مما أخذه بعض أبناء هذا العصر عن أسلافهم الملحدين ثم روجوا له وألبسوه ثوب العلمية والمعاصرة .
ودليلنا على عدم جدته أن الناس منذ قديم العصور منقسمون في تصوراتهم للوجود إلى فريقين: فريق يرى الكون المادي فقيراَ غير مُكتَفٍ بنفسه ، شاهدًا على خالقه ، الذي ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، وأن هذا الكون المرئي ليس كل ما خلق هذا الخالق الحكيم ، فإن له مخلوقات أخرى منها ملائكة ومنها جن ، ومنه جّنة تختلف طبيعة الأشياء فيها عن تلك التي نعرفها في عالمنا هذا وإن اتحدت الأسماء .
وفريق يرى أنه لا حق إلا ما أدرك بالحس المباشر وأن الكون غنيٌ بذاته ، وأنه لا خالق ولا بعث ولا ملائكة ولا جن .
وفريق ثالث يتردد بين هذين الموقفين اللذين لا يمكن الجمع بينهما فيميل هنا تارة وهنالك تارة أخرى فتأتي أقواله متناقضة ومواقفه متعارضة .
لنا على على قِدم هذا التصور الإلحادي أدلة كثيرة ، نكتفي ببعض ما رواه لنا القرآن الكريم من أقوال الأمم الكافرة ، وببعض ما قاله أصحاب الفلسفة المادية من فلاسفة اليونان وببعض أقوال الذين تأثروا بهؤلاء ممن سُموا بفلاسفة الإسلام .
يروي لنا القرآن الكريم أن الكفار من بني إسرائيل بنوا كفرهم على أساس أنهم لم يروا الله الذي يحدثهم عنه موسى:
(وإذ قلتم يا موسى لن نُؤمِنَ لك حتى نرى الله جَهْرَةَ) [البقرة:55]
وكرر بعض كفار العرب نفس القول فاشترطوا لإيمانهم أن يأتي الرسول بالله والملائكة قبيلاَ
(وقال الذين لا يرجون لقاءَنا لولا أُنزِلَ علينا الملائكةُ أو نرى ربنا، لَقَدِ استكبروا في أنفسهم وعَتَوْ عُتُواَ كبيرًا) [الفرقان:21]
(أو تُسقِطَ السماءَ كما زعمتَ عَلَينا كِسَفاَ أو تَأْتِي بالله والملائكة قبيلًا) [الإسراء:92] .
واشترطوا لإيمانهم بالبعث أن يُبعث من مات من آبائهم كي يروهم عيانا:
(وإذا تُتلى عليهم آياتُنا بينات ما كانَ حُجَّتَهُم إلا أن قالوا ائْتُوا بئَابآئِنَا إن كنتم صادقين) [الجاثية:25] .
وفي مجال الزعم بأن الكون مكتف بنفسه غير محتاج إلى قوة من خارجه قالوا:
(وقالوا ما هي إلا حياتُنَا الدنيا نموتُ ونحيا وما يُهلكُنآ إلا الدهر) [الجاثية:24] .
وكذلك فسروا حوادث التاريخ بأنه مصادفات من فعل الدهر لا أقدار خالق حكيم .
(وما أرسلنا في قرية من نبيٍ إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . ثم بدلنا مكان السيئةِ الحسنةَ حتى عَفَوا وقالوا قد مَسَّ ءَابآءَنا الضرآء والسرآءُ فأخذناهم بَغْتَةُ وهم لا يشعرون) [الأعراف:94-96] .
قال ابن كثير:"وقالوا قد مسنا البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر ، وإنما هو الدهر تارات وتارات …" [4]
وأما الفكر اليوناني الذي يمثل أقوى جذور الفكر الغربي المعاصر فقد كان فكراَ شركياَ إلحادياَ وقد وجدت في هذا الفكر جذور الفلسفة المادية الإلحادية في شكل المذهب الذري الذي قال به ليوسيبس في حوالي منتصف القرن الخامس قبل المبلاد ، كما قال به من بعده واشتهر به ديمقريطس ، خلاصة هذه الفلسفة أن كل الموجودات تتكون من ذرات مادية صلدة لا تنقسم ، وأن هذه الذرات أزلية في ذاتها وفي حركاتها وأنه لا خالق لها ومدبر لأمرها . وأرسطو الذي انتقد هذا المذهب كان هو نفسه معتقداَ بأزلية الكون وأزلية الحركة وهو اعتقاد يتنافي مع وجود الخالق ويتسق اتساقًا تامًا مع المادية الإلحادية.
وكما أن بعض من سموا بفلاسفة الإسلام من أمثال ابن سينا تأثروا بالفلسفة الأرسطية وقالوا كما قال بأزلية العالم ، فقد تأثرت بعض الفرق الإسلامية بالمذهب الذرى فقالوا إن الكون مكون من ذرات وأن الخَلْقَ إنما هو جمع وتفريق لهذه الذرات . ولم يقتصر تأثر المسلمين بالفلسفة المادية الإلحادية على هذا فقط بل إن بعض من سموا بفلاسفة الإسلام كانوا يحاولون جهدهم أن يفسروا كل شيء إسلامي في هذا الإطار الإلحادي اليوناني ، فقالوا لذلك إن الملائكة هي قوى الخير والجن قوى الشر ، والله هو العقل الفعّال والوحي قوى نفسانية إلى غير ذلك من المسائل التي كفّرهم بسببها علماء الإسلام .