فهرس الكتاب
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن"الكرع"وهو الشرب منكفئا على الإناء وتناول الشراب بالفم كما تشرب البهائم ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا بها"أخرجه ابن ماجة ، أليس هذا تشريعا يدخل في أحد الأحكام الخمسة ؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن اختنات الأسقية - أي الشرب من الإناء الكبير - منعا من توارد الأفواه على المكان الواحد في الإناء ، فعن عائشة رضي الله عنها ( نهى صلى الله عليه وسلم أن يشرب من في السقاء - أي فم السقاء - لأن ذلك ينتنه ) أخرجه الحاكم بسند قوي ، أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن التنفس في الإناء عند الشرب فقال:"إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الماء"أخرجه البخاري . أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الشراب عند الشرب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء ؟ قال: اهرقها . قال: فإني لا أروى من نفس واحد ؟ قال: فأبن القدح إذن عن فيك ) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح . أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن الشرب في آنية الذهب والفضة . أخرجه البخاري أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
وأمر صلى الله عليه وسلم بتغطية أواني الطعام والشراب فقال: ( أطفئوا المصابيح إذا رقدتم وغلقوا الأبواب ، وأوكوا الأسقية ، وخمروا الأطعمة والشراب ) أي غطوها . أخرجه البخاري ، أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن الأكل من وسط الإناء فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافته ، ولا تأكلوا من وسطه"أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح . أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
ورغب صلى الله عليه وسلم في المواساة بالطعام والمشاركة فيه والاجتماع عليه فقال: ( طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ) أخرجه مسلم أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
وحفاظا منه صلى الله عليه وسلم على أحاسيس الآخرين نجده صلى الله عليه وسلم: ما عاب طعاما قط ، كان إذا اشتهى شيئا أكله وإن كرهه تركه ) أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟ وقد اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا - في المسجد - لا يدخل عليهن بيوتهن - أخرجه البخاري أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
ولم يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة له ولا خادما قط - أخرجه أحمد - أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة ؟
وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ بحفنة من الماء وغيره يتوضأ بعشر حفنات - أخرجه البخاري أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وكان صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة - أخرجه البخاري - أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وكان صلى الله عليه وسلم يصوم في السفر وبعض أصحابه يفطر ، وكان يفطر وبعض أصحابه يصوم ، كما أخرجه البخاري أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتلحي في العمة - أي بتطويقها تحت الحنك - كما ذكره ابن قتيبة ، أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وقد يحزن صلى الله عليه وسلم فيأتي في حزنه بما لا يعتبر واجبا ولكنه يعتبر تشريعا بالإباحة كالبكاء ودمع العينين
وقد يضحك فيأتي في ضحكه بما يعتبر تشريعا بالتبسم صلى الله عليه وسلم ،أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وقد يعبس صلى الله عليه وسلم أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وقد يغضب صلى الله عليه وسلم فيأتي في غضبه بما يعتبر تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وقد ينسى صلى الله عليه وسلم فيأتي بعد نسيانه بما يعتبر تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وإن ما يجري في الأكل والشرب يجري مثله في الأفعال الجبلية أو العادية الأخرى له صلى الله عليه وسلم كاللباس فلبسه صلى الله عليه وسلم للإزار ، والرداء ، والجبة الشامية ، والقميص ، والبرنس ، والسراويل والعمامة ، وتقنع ، ، وعصب رأسه بخرقة فوق العمامة ، ولبس على رأسه المغفر ، والعمامة السوداء ، والبردة النجرانية ، والحبرة ، والبردة اليمانية والشملة إلخ أفلا يعتبر ذلك تشريعا بأحد الأحكام الخمسة ؟
وكان الصحابة رضي الله عنهم يؤمنون بذلك: أي بأن أفعاله تشريع: لبس نعله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فلبسوا نعالهم ، فلما خلع نعله - لسبب لا يعلمونه - خلعوا نعالهم
ولما رأوه صلى الله عليه وسلم يمتنع عن أكل الثوم امتنعوا حتى أباح لهم
ولما رأوه صلى الله عليه وسلم يمتنع عن أكل الضب - لسبب لا يعلمونه أيضا - أوشكوا أن يمتنعوا حتى أباح لهم .
وكانوا في الأفعال الجبلية يقضون حاجاتهم جماعات يرى بعضهم بعضا ويكلم بعضهم بعضا ، فعلمهم التواري والتستر وعدم الكلام ، وكان بعضهم يبول قائما فعلمهم الجلوس . أخرجه النسائي وابن ماجة .
وإذا كان بعض الصحابة لم يصبغوا شيبتهم - مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا إلى ذلك - مخالفة لليهود والنصارى - فليس معنى هذا أن سنته صلى الله عليه وسلم في ذلك ليست تشريعا بالمعنى العام ، ولكن معناه أنه ليس تشريعا بالوجوب ، ويظل بعد ذلك داخلا في التشريع بالندب أو التشريع بالإباحة
أليس إذا اختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في فعل من الأفعال أنه محظور أو مباح ثم نقل الناقل في موضوع اختلافهم فعلا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا يدل ذلك على حسم الخلاف ؟
وكانوا لا يؤاكلون الحائض ولا يأكلون مما عملت يداها ولا يخالطونها ولا يلامسونها فكان هو صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كله - كما أخرجه مسلم - تشريعا بالإباحة ؟
أليست الإباحة من أقسام الحكم الشرعي:
طبقا لتعريف الحكم الشرعي كما عرفه الأصوليون من أهل السنة بأنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا فإن الإباحة حكم شرعي ، وهو على كل حال شيء والحرية شيء آخر ، ومن الخطأ الاستدلال به على قيمة الحرية في اٌلإسلام كما وجدنا في مناقشة هذا الموضوع في حلقة الشريعة والحياة بقناة الجزيرة في 11\10\2003
المباح كما عرفه الآمدي: ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك ، فهو إذن تشريع ، وهو كما عرفه الجويني: ما خير الشارع فيه بين الفعل والترك من غير اقتضاء ولا زجر ولا حكم عقلي قبل ورود الشرع ، فالإباحة حكم شرعي لم يخالف في ذلك إلا بعض المعتزلة
والمراد بالاقتضاء الطلب سواء كان طلبا بالإيجاب ، أو بالندب ، أو بالتحريم أو بالكراهة
والمراد بالتخيير ما كان تخييرا بين فعل الشيء أو تركه دون ترجيح لأحد الجانبين على الآخر ، والذي يترتب على هذا هو الإباحة ، فيصير المكلف مخيرا بين الفعل والترك ويسمى الفعل مباحا