فهرس الكتاب

الصفحة 1420 من 3028

لقد بينا فيما سبق أن الاستعانة بهم لا تجوز مطلقًا سواء أكانت الاستعانة بهم في الحرب والقتال أم في الإدارة والكتابة وسائر الأعمال وبرهنّا على ذلك بنصوص من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وذكرنا أقوال علماء الأمة في ذلك وفي هذا الفصل نبين حكم الاستعانة بهم من حيث المعنى مثل وقوفهم إلى جانب قضايانا وتصويتهم معنا في المحافل الدولية لأن ذلك لا يعدو الأقوال دون الفعال فهم وإن وقفوا مع المسلمين وأيدوا قضاياهم بالقول فلن يفعلوا شيئًا يكون فيه نصرة للمسلمين أو نفعٌ لهم لأنهم أعداء للإسلام والمسلمين ويفرحون بكل ما من شأنه أن يضر بقضايا المسلمين وكل عداوة قد يرجى زوالها إلا العداوة في الدين كما قال الشاعر:

كل العدوات قد ترجى مودتها ** إلا عداوة من عاداك في الدين

والواقع شاهد على ما نقول فقد أبيد المسلمون في البوسنة والهرسك من قبل النصارى ودامت الحرب سنوات والأمم الكافرة تشجب وتستنكر في هيئة الأمم وفي غيرها من المحافل الدولية وتهدد لكن لم يحصل فعل وكذلك في إقليم كوسوفا فمنذ أكثر من سنة والصرب يبيدون المسلمين ويجلونهم من ديارهم ويحرقونها والغرب يشجب ويستنكر ويتوعد بضربات عسكرية ضد صربيا لكنه لم يفعل شيئًا .

قال الدكتور عبدالله بن إبراهيم الطريقي:"إن عصرًا مثل عصرنا الذي قويت فيه شوكة الباطل ودالت له الدولة وضعفت فيه الأمة الإسلامية وتفرقت دويلاتها مزقًا وضاعت فيه حقوقها واغتصبت أراضيها وانتهكت حرماتها في كثير من بلدانها إن عصرًا كهذا قد يدعو المسلمين إلى عملِ ما يملكونه وما يستطيعونه لتوجيه أنظار العالم إلى قضاياهم الضائعة وحقوقهم المغتصبة وإقناعه باهميتها ومن ثم طلب ضم الصوت لصالحهم بالتنديد بأعمال العدو المغتصب وضرورة إعادة الحقوق إلى أصحابها . ويمكن أن نضرب لذلك مثلًا بقضية المسلمين في"فلسطين"التي اغتصبها اليهود وأقاموا فيها دولتهم على مرأى ومسمع من العالم فهل مثل هذا العمل مشروع ؟"

إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي إثارة سؤالين هما:

الأول: هل من فائدة في استجداء الكفار واستعطافهم واسترحامهم ؟

الثاني: ماواجب المسلمين حينما يحصل الاعتداء من الكفار على ديارهم ومقدساتهم ؟

ونجيب عن السؤال الأول فنقول: لعل مما لا ينكر شرعًا أو واقعًا أن استجداء الكفار واستعطافهم ما هو إلا ذل وصغار للمسلمين ولا يزيدهم إلا وهنًا ولا يزيد الكافرين إلا عزة واستكبارًا وأنفه ، وصدق الله جل ثناؤه إذ يقول:"الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا ، وإذ يقول:"

{ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط } ، ففي الآية الأولى ينكر الله على من يطلب العزة من الكفار ولا شك أن طلب ضم الصوت منهم يعتبر طلبًا للعزة وفي الثانية يخبر الله تعالى عن الكفار أنهم يساءون حينما يصيب المسلمين خير ويفرحون إذا أصيبوا بشر فطلب التصويت منهم إذن لا جدوى فيه .

والجواب على السؤال الآخر: إن واجب المسلمين عند وقوع الاعتداء من الكفار أن يردوا الاعتداء بمثله ويدافعوا عن حقوقهم بلا خلاف وإن كان الأمر كذلك فإن استجداء الكفار بأن يصوتوا في صالح القضايا الإسلامية أمر عديم الفائدة ولا طائل تحته بل هو استجداء للمشركين وخضوع لهم ولعل واقع المسلمين المعاصر يصور لنا ذلك في أوضح الصور فالقضية الفلسطينية مثلًا ماذا استفادت من استجداء العرب لدول الكفر واستعطافهم لهم فكم من البيانات المشتركة والقرارات بين دول العالم الإسلامي وبين بعض دول الكفر التي صدرت تستنكر وتندد بشدة"ظاهريًا"بأعمال اليهود فإنها مهما قيل وادعى من حصول المكاسب من ورائها فهو هراء .

لهذا نقول إن طلب التصويت أمر غير مشروع لما عرفناه وواجب المسلمين تجاه حقوقهم المغتصبة والمنتهكة أن يوحدوا صفوفهم ويعيدوها بالجهاد ولا شيء غير ذلك"."

خاتمة

إن المستعرض لهذا البحث على اختصاره يلاحظ أنه اشتمل على كثير من الأحكام المتعلقة بجزيرة العرب حيث تضمن بيان موقعها وحدودها وأحكام إقامة الكفار فيها فقد بينت ذلك كله بيانًا واضحًا وسقت ما ورد في ذلك من النصوص الشرعية وذكرت ما تضمنته القواميس اللغوية ، وذكرت المعول عليه من كلام العلماء في حكم إقامة اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار في هذه الجزيرة كما تضمن البحث بيان حكم الاستعانة بالكفار في القتال وفي غيره من الأعمال الأخرى كالإدارة والكتابة والوزارة وغيرها وبينت ما شبَّه به المجيزون للاستعانة بالكفار من الأدلة وأوضحت أن ما ذكروه من الأدلة لاينهض للاستدلال إما لضعفه وإما لعدم وضوح دلالته وإما لاضطرابه متنًا وسندًا وبهذا تم البحث راجيًا من الله أن يجعله خالصًا لوجهه وأن ينفع به ونظرًا إلى أنني بشر والبشر معرض للخطأ فارجو ممن قرأه وعثر على خطأ فيه أن ينبهني على ذلك فأكون شاكرًا له هذا وقد فرغت من إملائه يوم الاثنين الموافق 15 شوال عام 1419هـ .

المسلمون في فجر القرن الوليد - 22

أولًا - الحفاظ على الذاتية الإسلامية:

مع مطالع القرن الخامس عشر الهجري يجد المراقبون أن المسلمين يتقاربون اليوم في عدة مفاهيم أساسية يكادون يلتقون عندها ويكونون بها منطقًا"جديدًا فيه طابع الأصالة وعلامة التحول من عصر التبعية إلى عصر الرشد الفكري. ولقد كان للتجارب التي مرت بهم خلال القرن الرابع عشر أثرها الواضح في هذا الفهم الجديد الذي يقرب بهم من الحقيقة بعد أن دفعوا ثمنها غاليًا من الزمن والأنفس والأموال، وقد كانت بينة في كتاب ربهم ويبن أيديهم من قبل ولكنهم كانوا عنها غافلين، لم يستطيعوا استيعابها إلا بعد أن حزت في نفوسهم وتركت موضعها وعليه أثر كدمات الدم."

أولًا: لقد تبين للمسلمين أن جريهم وراء أسلوب العيش الغربي واندفاعهم وراء بريق الحضارة المنطلقة وراء شهوة الفم والبدن هو غواية الأمم الغربية لهم بهدف تبديد ثرواتهم وتحطيم معنوياتهم والقضاء على القوة النفسية والجسمية التي أعطاها لهم الإسلام بالاستقامة والصلاة ليكونوا قادرين على مواجهة الأحداث، مرابطين في الثغور حتى لا يفاجئهم غزو العدو ومن هنا فقد أخذوا يتحولون إلى بناء مستقبل بلادهم بهذه الثروات لتكون لهم قوة دائمة على الزمن.

ثانيًا: اكتشفوا أن مناهج السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية التي قدمها لهم الغرب (بشقيه) خلال القرن الماضي لم تكن إلا تراكمات مجتمع آخر مختلف ونتيجة تحولات في عقائد وثقافات تختلف اختلافًا واضحًا عن المجتمع الإسلامي، وهي ثمرة تكوين نفسي واجتماعي وعقلي تنازعته وثنية اليونان والرومان، وتفسيرات المسيحية، واستعلاء العقل والعلم بعد كشوف الطبيعة، وقد تشكلت في مجتمع لم يكن من دينه"منهج حياة"أو"نظام مجتمع"فإن المسيحية حين عبرت من الشرق إلى الغرب عبرت على هيئة وصايا وعبادات وتراتيل فكان أهلها في حاجة إلى أسلوب عيش امتد سريعًا بين الرأسمالية واللبرالية والماركسية والوجودية والقومية والإقليمية دون أن يجد منها بعد تجربة السنوات الطوال إلا مزيدًا من الصراع والاضطراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت