الصفحة 2 من 28

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى لآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد ..

فإن المتتبع لتاريخ التشريع الإسلامي يجد أن الفقه الإسلامي قد تم نظامه وجمعه في مدة تقرب من عشر سنوات، فلم ينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا وكان الفقه الإسلامي تام الأصول كما قال الله عز وجل (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) .

ولم يمض على الأمة الإسلامية مائة خمسون سنة حتى وجدت المؤلفات الهامة في فروع الفقه التي بسطت أحكامه، وطبقت أصوله على فروعه.

وهذه خاصية في الفقه الإسلامي لم نجدها في أي قانون من قوانين الأمم الأخرى التي سبقت الأمة الإسلامية، فالرومان مثلا الذين يرفع قوانينهم الناس إلى أسمى المراتب، ويعدهم البعض الآخر أصل التمدن الحديث، لم ينضج فقههم ولم يجمع نظامهم إلا في عصر القيصر (جوستنيان) سنة565 قبل الهجرة النبوية بسنين بعد مضي ثلاثة عشر قرنا من حياة الرومان [1] .

وكان عمل الفقهاء المسلمين أنهم اجتهدوا في فهم القواعد العامة والأصول التي بينتها الشريعة الإسلامية في كتاب الله الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بجانب فهمهم للأحكام الجزئية المبينة في هذين المصدرين الجليلين، وأعطوا الأحكام التي فهموها من الكتاب والسنة الكريمين للجزئيات والفروع التي جدت للناس، أو فرضها في كتبهم حتى يجد الناس حكمها إذا وقعت لهم على مر العصور.

وهذا البحث الذي بين يدي القارئ حاولت فيه أن أبين أن أصول نظرية التعسف في استعمال الحق موجودة في كتبنا الفقهية القديمة، وليس هذا غريبا فإنه كلما ارتقت البشرية في تشريعها تقترب من أحكام الفقه الإسلامي، الذي يثب دائما أنه أرقى التشريعات، وما ذلك إلا لأنه مستمد من كتاب الله الكريم وسنة رسوله، وما تضمنه كل منهما من أدلة تبنى عليها الأحكام.

ولا أدعي أنني بدأت في هذا البحث من فراغ، وإنما استفدت ممن سبقوني في الكتابة في هذا الموضوع، وإن كان لي من جهد في البحث فإن ذلك في إظهار الصور الفقهية التي تندرج تحت

(1) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، لمحمد حسن الحجوي ج1ص 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت