الصفحة 103 من 575

بين الأعيان وبين وجود الحق، وأحكام الأسماء هي الأعيان الثابتة في العدم، وظهور هذه الأحكام بتجلي الحق في الأعيان.

والأعيان التي هي حقيقة العيان هي مرآة الحق، التي بها يرى أسماءه، / وظهور أحكامها، فإنه إذا ظهر في الأعيان، حصلت النسبة التي بين الوجود والأعيان ـ وهي الأسماء ـ وظهرت أحكامها ـ وهي الأعيان ـ ووجود هذه الأعيان هو الحق، فلهذا قال: وليست سوى عينه، فاختلط الأمر وانبهم.

فتدبر هذا من كلامه وما يناسبه، لتعلم ما يعتقده من ذات الحق وأسمائه وأن ذات الحق عنده هي نفس وجود المخلوقات، وأسماءه هي النسب التي بين الوجود والأعيان، وأحكامها هي الأعيان، لتعلم كيف اشتمل كلامه على الجحود للّه ولأسمائه، ولصفاته وخلقه وأمره، وعلى الإلحاد في أسماء اللّه وآياته، فإن هذا الذي ذكره غاية الإلحاد في أسماء اللّه وآياته، الآيات المخلوقة والآيات المتلوة، فإنه لم يثبت له اسمًا ولا آية؛ إذ ليس إلا وجودًا واحدًا، وذاك ليس هو اسما ولا آية، والأعيان الثابتة ليست هي أسماءه ولا آياته، ولما أثبت شيئين فرق بينهما بالوجود والثبوت ـ وليس بينهما فرق ـ اختلط الأمر عليه وانبهم.

وهذا حقيقة قوله، وسر مذهبه، الذي يدعى أنه به أعلم العالم بالله، وأنه تقدم بذلك على الصديق، الذي جهل فقال: العجز عن درك الإدراك إدراك، وتقدم به على المرسلين، الذين ما علموا ذلك إلا من مشكاته، وفيه من أنواع الكفر والضلال ما يطول عدها:

منها: الكفر بذات الله؛ إذ ليس عنده إلا وجود المخلوق.

/ومنها: الكفر بأسماء الله؛ فإنها ليست عنده إلا أمور عدمية، فإذا قلنا: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 2، 3] فليس الرب عنده إلا نسبة إلى الثبوت.

السادس: أنه قال: فاختلط الأمر وانبهم، أو هو على أصله الفاسد مختلط منبهم، وعلى أصل الهدى والإيمان متميز متبين، قد بين الله بكتابه الحق من الباطل والهدى من الضلال.

قال: فمنا من جهل في علمه فقال: العجز عن درك الإدراك إدراك، وهذا الكلام مشهور عندهم نسبته إلى أبي بكر الصديق، فجعله جاهلا، وإن كان هذا اللفظ لم يحفظ عن أبي بكر، ولا هو مأثور عنه في شيء من النقول المعتمدة، وإنما ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر نحوًا من ذلك عن بعض التابعين غير مسمى، وإنما يرسل عنه إرسالًا من جهة من يكثر الخطأ في مراسيلهم.

كما يحكون عن عمر أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر إذا تخاطبا كنت كالزنجي بينهما. وهذا أيضا كذب باتفاق أهل المعرفة. وإنما الذي في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: (إن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ذلك العبد ما عند الله) فبكى أبو بكر، فقال: بل نفديك بأنفسنا وأموالنا، أو كما قال.

فجعل الناس يقولون: عجبا لهذا الشيخ، يبكي أن ذكر رسول الله/ صلى الله عليه وسلم عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة! فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، فكان أبو بكر هو أعلمهم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقاصده في كلامه، وإن كانوا كلهم مشتركين في فهمه.

وهذا كما في الصحيح أنه قيل لعلى رضي الله عنه: هل ترك عندكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا؟ وفي لفظ: هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة: وفيها العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت