الصفحة 138 من 575

فضلًا عن الحديث، بل كثير منهم لا يحفظون القرآن أصلا. فمن لا يحفظ القرآن، ولا يعرف معانيه، و لا يعرف الحديث ولا معانيه، من أين يكون عارفًا بالحقائق المأخوذة عن الرسول؟!

وإذا تدبر العاقل، وجد الطوائف كلها، كلما كانت الطائفة إلى الله ورسوله أقرب كانت بالقرآن والحديث أعرف وأعظم عناية، وإذا كانت عن الله وعن رسوله أبعد، كانت عنهما أنأى، حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية، فقال: لا نسلم صحة الحديث! وربما قال: لقوله عليه السلام كذا، وتكون آية من كتاب الله. وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر.

وحدثني ثقة: أنه تولى مدرسة مشهد الحسين بمصر بعض أئمة المتكلمين، رجلٌ يسمى [شمس الدين الأصبهاني] شيخ الأيكي، فأعطوه جزءًا من الربعة فقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْمَصْ) حتى قيل له: ألف لام ميم صاد.

فتأمل هذه الحكومة العادلة! ليتبين لك أن الذين يعيبون أهل الحديث، ويعدلون عن مذهبهم، جهلة زنادقة منافقون بلا ريب؛ ولهذا لما بلغ الإمام أحمد عن [ابن أبي قتيلة] أنه ذكر عنده أهل الحديث بمكة، فقال: قوم سوء. فقام الإمام أحمد، وهو ينفض ثوبه، ويقول: زنديق، زنديق، زنديق. ودخل بيته، فإنه عرف مغزاه.

/ وعيب المنافقين للعلماء بما جاء به الرسول قديم، من زمن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما أهل العلم فكانوا يقولون: هم [الأبدال] لأنهم أبدال الأنبياء وقائمون مقامهم حقيقة، ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعًا. وكانوا يقولون: هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الظاهرون على الحق؛ لأن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسله معهم، وهو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا.

فتجد أبا عبد الله الرازي يطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين، وفي إفادة الأخبار للعلم، وهذان هما مقدمتا الزندقة ـ كما قدمناه ـ ثم يعتمد فيما أقر به من أمور الإسلام على ما علم بالاضطرار من دين الإسلام، مثل العبادات والمحرمات الظاهرة، وكذلك الإقرار بمعاد الأجساد ـ بعد الاطلاع على التفاسير والأحاديث ـ يجعل العلم بذلك مستفادًا من أمور كثيرة، فلا يعطل تعطيل/ الفلاسفة الصابئين، ولا يقر إقرار الحنفاء العلماء المؤمنين. وكذلك [الصحابة] ، وإن كان يقول بعدالتهم فيما نقلوه وبعلمهم في الجملة لكن يزعم في مواضع: أنهم لم يعلموا شبهات الفلاسفة وما خاضوا فيه؛ إذ لم يجد مأثورًا عنهم التكلم بلغة الفلاسفة، ويجعل هذا حجة له في الرد على من زعم. . . [بياض] .

وكذلك هذه المقالات لا تجدها إلا عند أجهل المتكلمين في العلم، وأظلمهم من هؤلاء المتكلمة والمتفلسفة والمتشيعة والاتحادية في الصحابة، مثل قول كثير من العلماء والمتأمرة: أنا أشجع منهم، وإنهم لم يقاتلوا مثل العدو الذي قاتلناه، ولا باشروا الحروب مباشرتنا، ولا ساسوا سياستنا، وهذا لا تجده إلا في أجهل الملوك وأظلمهم.

فإنه إن أراد أن نفس ألفاظهم، وما يتوصلون به إلى بيان مرادهم من المعاني لم يعلموه، فهذا لا يضرهم؛ إذ العلم بلغات الأمم ليس مما يجب على الرسل وأصحابهم، بل يجب منه ما لا يتم التبليغ إلا به، فالمتوسطون بينهم من التراجمة يعلمون لفظ كل منهما ومعناه. فإن كان المعنيان واحدًا كالشمس والقمر، وإلا علموا ما بين المعنيين من الاجتماع والافتراق، فينقل لكل منهما مراد صاحبه، كما يصور المعاني ويبين ما بين المعنيين من التماثل، والتشابه، والتقارب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت