الصفحة 158 من 575

وأما عثمان، فأبغضه أو سبه أو كفره أيضًا ـ مع الرافضة ـ طائفة من الشيعة الزيدية والخوارج.

وأما علي، فأبغضه وسبه ـ أو كفره ـ الخوارج، وكثير من بني أمية وشيعتهم الذين قاتلوه وسبوه. فالخوارج تكفر عثمان وعليًًًًا وسائر أهل الجماعة.

وأما شيعة علي، الذين شايعوه بعد التحكيم، وشيعة معاوية التي شايعته بعد التحكيم، فكان بينهما من التقابل، وتَلاعُن بعضهم، وتكافر بعضهم ما كان، ولم تكن الشيعة التي كانت مع على يظهر منها تَنَقُّص لأبي بكر وعمر، ولا فيها من يقدم عليًا على أبي بكر وعمر، ولا كان سَبُّ عثمان شائعًا فيها، وإنما كان يتكلم به بعضهم فيرد عليه آخر.

وكذلك تفضيل عليّ عليه لم يكن مشهورًا فيها، بخلاف سبّ على فإنه كان /شائعًا في أتباع معاوية؛ ولهذا كان علي وأصحابه أولى بالحق وأقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه. كما في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تَمْرُقُ مارقة على حين فُرْقَةٍ من المسلمين، فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق) . وروى في الصحيح أيضًا: (أدنى الطائفتين إلى الحق) .

وكان سب على ولعنه من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها: الطائفة الباغية، كما رواه البخاري في صحيحه، عن خالد الحَذَّاء، عن عِكْرِمة، قال: قال لي ابن عباس ولابنه على: انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه. فانطلقنا، فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحْتَبَي به، ثم أنشأ يحدثنا، حتى إذا أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لَبِنَةً لَبِنة، وَعمَّار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يَنْفُضُ التراب عنه ويقول: (ويْحَ عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) قال: يقول عمار: أعوذ باللّه من الفتن.

ورواه مسلم عن أبي سعيد ـ أيضًا ـ قال: أخبرني من هو خير مني ـ أبو قتادة ـ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لعمار ـ حين جعل يحفر الخندق ـ جعل يمسح رأسه ويقول: (بُؤْسَ ابن سُمَيَّةَ تقتله فئة باغية) . ورواه مسلم ـ أيضًا ـ عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تقتل عمارًا الفئة الباغية) .

وهذا ـ أيضًا ـ يدل على صحة إمامة على، ووجوب طاعته، وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار ـ وإن كان متأولا ـ وهو /دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي، وعلى هذا فمقاتله مخطئ، وإن كان متأولًًًًا أو باغ بلا تأويل، وهو أصح القولين لأصحابنا، وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليًا وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين.

وكذلك أنكر يحيى بن مَعِين على الشافعي استدلاله بسيرة على في قتال البغاة المتأولين، قال: أيجعل طلحة والزبير بغاة؟ رد عليه الإمام أحمد فقال: ويحك، وأي شىء يسعه أن يضع في هذا المقام: يعني إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة.

والقول الثاني: أن كلا منهما مصيب، وهذا بناء على قول من يقول: كل مجتهد مصيب، و هو قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية.

وفيها قول ثالث: إن المصيب واحد لا بعينه. ذكر الأقوال الثلاثة ابن حامد، والقاضي، وغيرهما. وهذا القول يشبه قول المتوقفين في خلافة على من أهل البصرة، وأهل الحديث، وأهل الكلام؛ كالكرامية الذين يقولون: كلاهما كان إمامًا، ويجوزون عقد الخلافة لاثنين.

لكن المنصوص عن أحمد تَبْدِيعُ من توقف في خلافة علي، وقال: هو أضل من حمار أهله، وأمر بهُجْرانه، ونهى عن مناكحته، ولم يتردد أحمد ـ ولا أحد من أئمة السنة ـ في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه، ولا شكوا في ذلك. فتصويب أحدهما لا بعينه تجويز لأن يكون غير على أولى منه بالحق، وهذا لا يقوله إلا مبتدع ضال، فيه نوع من النصب وإن كان متأولًًًًا، لكن قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت