فهرس الكتاب
الوقت سموا شيعة، وحينئذ صاروا مذمومين بمعصية الإمام الواجب الطاعة، وهو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ولما تركوا ما يجب من نصره صاروا أهل باطل وظلم إذ ذاك يكون تارة لترك الحق وتارة لتعدي الحق.
فصار حينئذ شيعة عثمان الذين مع معاوية أرجح منهم؛ ولهذا انتصروا عليهم؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من خالفهم) وبذلك استدل معاوية، وقام مالك بن يُخَامِر] ويقال: أخامر السكسكي الألهاني الحمصي، يقال: له صحبة، وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة سبعين، وقيل سنة اثنتين وسبعين [فروى عن معاذ بن جبل أنهم بالشام. وعليّ هو من الخلفاء الراشدين، ومعاوية أول الملوك، فالمسألة هي من هذا الجنس، وهو: قتال الملوك المسلطين مع أهل عدل واتباع لسيرة الخلفاء الراشدين، فإن كثيرًا من الناس يبادر إلى الأمر بذلك، لاعتقاده أن في ذلك إقامة العدل، ويغفل عن كون ذلك غير ممكن بل تربو مفسدته على مصلحته.
ولهذا كان مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر، أو يستراح من فاجر، وقد يكون هذا من أسرار القرآن في كونه لم يأمر بالقتال ابتداء، وإنما أمر بقتال الطائفة الباغية بعد اقتتال الطائفتين، وأمر بالإصلاح بينهما، فإنه إذا اقتتلت طائفتان من أهل /الأهواء ـ كقَيْس ويمن ـ إذ الآية نزلت في نحو ذلك ـ فإنه يجب الإصلاح بينهما، وإلا وجب على السلطان والمسلمين أن يقاتلوا الباغية؛ لأنهم قادرون على ذلك، فيجب عليهم أداء هذا الواجب، وهذا يبين رجحان القول ابتداء، ففي الحال الأول لم تكن القدرة تامة على القتال ولا البغي حاصلًا ظاهرًا، وفي الحال الثاني حصل البغي وقوى العجز وهو أولى الطائفتين بالحق وأقربهما إليه مطلقًا، والأخرى موصوفة بالبغي كما جاء ذلك في الحديث الصحيح من حديث أبي سعيد، كما تقدم.
وقد كان معاوية والمغيرة وغيرهما يحتجون لرجحان الطائفة الشامية، بما هو في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر اللّه، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة) ، فقام مالك بن يخامر فقال: سمعت معاذ بن جبل يقول: وهم بالشام، فقال معاوية: وهذا مالك بن يخامر يذكر أنه سمع معاذًا يقول: وهم بالشام، وهذا الذي في الصحيحين من حديث معاوية فيهما ـ أيضًا ـ نحوه من حديث المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال من أمتي أمة ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك) وهذا يحتجون به في رجحان أهل الشام بوجهين:
أحدهما: أنهم الذين ظهروا وانتصروا وصار الأمر إليهم بعد الاقتتال والفتنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يضرهم من خالفهم) وهذا يقتضى /أن الطائفة القائمة بالحق من هذه الأمة هى الظاهرة المنصورة، فلما انتصر هؤلاء كانوا أهل الحق.
والثاني: أن النصوص عينت أنهم بالشام، كقول معاذ، وكما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال أهل الغرب ظاهرين) قال الإمام أحمد: وأهل الغرب هم أهل الشام. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقيما بالمدينة فما يغرب عنها فهو غربه، وما يشرق عنها فهو شرقه، وكان يسمى أهل نجد وما يشرق عنها أهل المشرق، كما قال ابن عمر: قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحرًا) .
وقد استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشر أن أصله من المشرق؛ كقوله: (الفتنة من هاهنا، الفتنة من هاهنا) ويشير إلى المشرق، وقوله صلى الله عليه وسلم: (رأس الكفر نحو المشرق) ونحو ذلك. فأخبر أن الطائفة المنصورة القائمة على الحق من أمته بالمغرب وهو الشام وما يغرب عنها، والفتنة